هل تشكّل ورقة «لا مانع» اعتزالًا عن الوكالة؟

يوم طالبنا، ولا نزال نطالب، كليات الحقوق بتدريس مادة أساسية تتعلق بقانون تنظيم مهنة المحاماة وبأنظمتها الداخلية، لم يكن الأمر يتصل بتمييز مهنة المحاماة عن غيرها، ولا سيّما أن معظم الخريجين يتجهون نحو هذه المهنة، كما لم يكن يتعلق بأي ترفٍ أكاديمي، بل لأننا كنا، ولا نزال، نشهد نقصًا هائلًا في معرفة تفاصيل هذا القانون وتلك الأنظمة، الأمر الذي يعرّض رجل القانون، وتحديدًا المحامي، للمساءلة الجزائية والمسلكية.

في مقالة اليوم، نطرح سؤالًا عُرض عليّ من قبل عدة زملاء، ويتعلق بتنظيم المحامي لورقة «لا مانع» يسلّمها لموكله، يكتب فيها: «لا مانع من توكيل أي محامٍ زميل آخر في الدعوى…». وبالتالي، قد يُطرح سؤالان:

  1. هل يمكن للمحامي، بعد إعطاء ورقة «لا مانع»، متابعة الملف إذا طلب منه الموكل الذي تسلّم منه ورقة «لا مانع» وسلّمها إلى المحامي الوكيل الجديد؟
  2. إذا سلّم المحامي موكله ورقة «لا مانع»، هل يبقى وكيلًا عن موكله؟ وهل تنتهي وكالته؟

سؤالان مهمّان يستوجبان، قبل الإجابة عليهما بالتفصيل، عرض عدد من المبادئ العامة.

تنص المادة 808 من قانون الموجبات والعقود على ما يأتي:

تنتهي الوكالة:

  1. بانتهاء العمل الذي أُعطيت لأجله.
  2. بتحقيق شرط الإلغاء أو بحلول الأجل المعيّن للوكالة.
  3. بعزل الموكل للوكيل.
  4. بعدول الوكيل عن الوكالة.
  5. بوفاة الموكل أو الوكيل.
  6. بحدوث تغيير في حالة الموكل أو الوكيل يفضي إلى فقدانه الأهلية الشرعية لاستعمال حقوقه، مثل الحجر وإعلان الإفلاس، ما لم يكن موضوع الوكالة من الأعمال التي يمكن إتمامها بالرغم من ذلك التغيير.
  7. باستحالة التنفيذ الناشئة عن سبب لا علاقة له بمشيئة الفريقين المتعاقدين.

كما تنص المادة 814 على:

عندما يوجب القانون صيغة معيّنة لإنشاء الوكالة، يجب استعمال الصيغة نفسها للرجوع عنها.

والمادة 815 على:

لا يجوز للوكيل أن يعدل عن الوكالة، إلا إذا أبلغ عدوله إلى الموكل، «ويكون الوكيل ضامنًا لكل ما يمكن أن يحدثه هذا العدول من العطل والضرر للموكل إذا لم يقم بما يجب من التدابير لصون مصالح موكله صيانة تامة إلى أن يتمكن الموكل نفسه من القيام بما يجب».

يُفهم من مضمون هذه المواد أن الوكالة تبقى قائمة طالما لم يتحقق سبب من أسباب انتهائها، ومنها عدول الوكيل عن الوكالة.

فهل يُعتبر إعطاء ورقة «لا مانع» عدولًا عن الوكالة؟

من المعلوم أن ورقة «لا مانع» تُعطى من المحامي الوكيل إلى الموكل، ليقوم هذا الأخير بتسليمها إلى المحامي الوكيل الجديد كي يتمكن من التوكّل في الملف، إذ لا يحق له ذلك إلا إذا وافق زميله الوكيل على هذا التوكيل. أما الوكالة، في هذه الحالة، فتبقى قائمة تجاه الجميع، ولا تسقط إلا إذا تم عزل المحامي أو إذا اعتزل الوكالة صراحة. ولا سيّما أن المادة 814 من قانون الموجبات والعقود تنص على أنه عندما يوجب القانون صيغة معيّنة لإنشاء الوكالة، يجب استعمال الصيغة نفسها للرجوع عنها. وبالتالي، تبقى الوكالة قائمة.

بل أكثر من ذلك، يجب وضع العزل في ملف الدعوى. إذ تنص المادة 385 من أصول المحاكمات المدنية، في فقرتها الأولى، على ما يأتي: «لموكل المحامي أن يرجع عن الوكالة ويعزل وكيله، إلا أن هذا الرجوع أو العزل لا يُحدث أثره تجاه القضاء إلا بعد إبلاغه إلى قلم المحكمة».

كما تنص المادة 386 من أصول المحاكمات المدنية، في فقرتها الأولى، على ما يأتي: «للمحامي أن يعتزل الوكالة على أن يُبلغ هذا الاعتزال إلى موكله وإلى قلم المحكمة».

وبالتالي، فإن المحامي الوكيل الذي يعطي ورقة «لا مانع» لا تنتهي وكالته، ويمكن لموكله أن يطلب منه متابعة الملف.

ولكن، يُطرح سؤال آخر يتعلق بقانون تنظيم المهنة والأنظمة الداخلية في هذه الحالة. فإذا طلب الموكل من المحامي الوكيل الذي سبق أن أعطى ورقة «لا مانع»، وبعد أن تم توكيل محامٍ جديد في الدعوى، متابعة الملف، فهل يحق له ذلك من الوجهة المسلكية؟

برأينا، لا يحق له ذلك. بل يتوجب عليه، في هذه الحالة، أن يستحصل بدوره من زميله على ورقة «لا مانع»، حتى ولو كان وكيلاً قبله ولا تزال وكالته قائمة. ذلك أن المحامي الجديد الذي توكّل في الملف أصبح هو الأساس بعد أن خرج منه الوكيل السابق، الذي لا يحق له متابعة الملف إلا إذا استحصل على ورقة «لا مانع» من زميله الجديد.

وخلاصة القول، إن ورقة «لا مانع» تُعطى من المحامي الوكيل للمحامي الجديد كي يستطيع الحلول محله في متابعة الملف. والنصيحة للمحامي الوكيل هي أن يعتزل الوكالة أصولًا، وأن يقوم بجميع الإجراءات المتعلقة بالاعتزال، ومنها إبلاغ موكله بهذا الاعتزال، ووضع صورة عنه في ملف الدعوى.

مقالات الكاتب

ناضر كسبار

نقيب المحامين السابق في بيروت.