عند إعداد الموازنة العامة، جرى إدخال نحو 8,000 مليار ليرة لبنانية إلى بند الاستشفاء في موازنة وزارة الصحة، نُقلت من احتياطي الموازنة العامة إلى موازنة الوزارة، خُصِّص منها 1,000 مليار ليرة لدعم ما يُسمّى «مراكز الرعاية الصحية الأولية»، على أن يُخصَّص جزء من هذا المبلغ لتسديد رواتب العاملين في هذه المراكز.
وبعملية حسابية بسيطة لا تحتاج إلى عبقرية مالية: 1,000 مليار ليرة تعني 1,000,000,000,000 ليرة لبنانية، وعلى أساس سعر صرف 90,000 ليرة للدولار الواحد، تصبح القيمة حوالى 11,111,111 دولاراً أميركياً، أي أكثر من 11 مليون دولار.
هذه المراكز يتجاوز عددها 250 مركزاً، ومعظمها تابع لأحزاب سياسية أو لجمعيات محسوبة عليها، فيما موظفوها ليسوا من موظفي الدولة ولا يدخلون في ملاكها القانوني. أي أن الدولة، وبقرار مالي رسمي، باتت عملياً تدفع رواتب القطاع الخاص من المال العام، وبأهداف انتخابية وزبائنية لا تحتاج إلى كثير من الشرح أو التمويه.
والأخطر أن هذه هي المرّة الأولى التي يُدرَج فيها هذا الاعتماد صراحةً في موازنة وزارة الصحة تحت عنوان دعم مراكز الرعاية، بعدما كان تمويلها في السابق يتم عبر قروض البنك الدولي. أي أننا، في الحالتين، أمام السيناريو ذاته: الدفع يتم من جيوب المواطنين — مرّة عبر الاستدانة، ومرّة عبر الموازنة العامة — فيما يتبدّل فقط الغلاف المحاسبي.
في المقابل، يقف موظفو الدولة القانونيون اليوم في الشوارع، يعتصمون ويُضربون عن العمل، بعد أن جرى تجاهل تصحيح رواتبهم، وتركهم فريسة الفقر والتآكل المعيشي، في وقت تُفتَح فيه الاعتمادات بسخاء لمراكز محسوبة سياسياً، وخارج أي إطار وظيفي رسمي للدولة.
ولنفترض — جدلاً — أن نصف مبلغ 11,111,111 دولاراً فقط خُصِّص فعلياً للرواتب، أي ما يقارب 5,555,555 دولاراً أميركياً. وإذا كان متوسط الراتب المدفوع 400 دولار للموظف الواحد، فهذا يعني أن عدد الموظفين الذين يمكن تسديد رواتبهم يصل إلى حوالى 13,888 موظفاً في القطاع الخاص.
أي أن الدولة، ومن هذا الاعتماد وحده، قادرة على دفع رواتب لما يقارب 14 ألف موظف خارج ملاكها، فيما يُترَك موظفوها النظاميون بلا تصحيح، وبلا كرامة وظيفية، وبلا أي حدّ أدنى من العدالة.
يُوضَع هذا الكلام برسم رابطة موظفي الدولة، وبرسم المعنيين كافة، وبرسم الدولة بكل أجهزتها، وبرسم الجهات الرقابية — إن كان لا يزال في هذا البلد ما يُسمّى جهات رقابية — كما يُوضَع برسم كل من لا يزال يروّج لوهم أن هذه الموازنة أُعدّت للإصلاح، لا لتكريس الزبائنية الانتخابية وتمويل الشبكات الحزبية من المال العام.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
