ليس يوم الاستقلال في لبنان مناسبةً موحّدة للذاكرة بقدر ما هو مرآةٌ لانقسامٍ تاريخيٍ طويل في معنى الكيان نفسه. فمنذ لحظة 22 تشرين الثاني 1943، لم يجتمع اللبنانيون على رواية واحدة للانتداب الفرنسي: رآه البعض وصايةً حداثيةً «رسولية»، فيما رآه آخرون شكلاً من أشكال الاستعمار الذي أعاق نشوء الدولة. هذا الاختلاف الجذري في النظرة إلى الماضي ينعكس مباشرة على الحاضر: فبين من يحتفل بهذا اليوم بصفته إعلان وجودٍ سياسي، ومن يراه تاريخًا مضخّمًا أو محتوًى مفبركًا، يتشظّى معنى الاستقلال بين سرديات طائفية وإيديولوجية متعارضة لا تلتقي على ذاكرة مشتركة. إنّ غياب الرواية الوطنية الجامعة—لا بوصفها شعارًا، بل إطارًا تفسيرياً للتاريخ—يجعل من الذكرى حدثًا طقوسيًا هشًّا، يُستعاد مرةً كل عام دون أن يؤسّس لوعي مستقر أو لمفهوم متين للسيادة.
الاستقلال بين الرمز والواقع: دولة في طور لم يكتمل
تشكّل لحظة 1943 في الوعي الرسمي نقطةَ انطلاق لدولة لبنان الحديثة، إلا أنّ الحدث نفسه لم يكن فعلياً لحظة اكتمالٍ للسيادة. فالجيش الفرنسي لم ينسحب إلا عام 1946، والدولة الناشئة لم ترث بنيةً صلبة، بل تركيبة سياسية هشة محكومة بتوازنات طائفية دقيقة. لذلك بقي الاستقلال «رمزًا» أكثر مما أصبح «مؤسّسة». هذه الفجوة بين الرمز والواقع تُفسّر لماذا لا يحمل العيد في المخيال الجمعي ثقلًا وجدانيًا مشابهًا لذلك الذي نراه في دول أخرى: فالرمز يحتاج إلى دولة ثابتة ترفده بالشرعية اليومية، بينما الدولة اللبنانية ظلت في حالة اهتزاز دائم، تتنازعها الولاءات الفئوية، وتتوارثها «الزعامات» أكثر مما تحكمها المؤسسات. وهكذا تحوّل الاستقلال إلى صورة مُعلّقة فوق واقع سياسي لا يستجيب لمعناه، فتلاشى من المخيلة العامة ليصبح ذكرى شكلية تتكرر دون مضمون.
من طرابلس إلى جبل لبنان: تضحيات بلا سردية جامعة
إنّ تاريخ المواجهة مع الانتداب نفسه لم ينجُ من الانقسام. فالشهداء الذين سقطوا في طرابلس أو غيرها من المناطق لم تُكتب سيرتهم في كتاب وطني واحد؛ بعضهم قاتل بدافع الحميّة المحلية أو حماية الزعامة، وبعضهم بدافع قومي أو عروبي ناشئ، فيما رأى آخرون في فكرة «لبنان الكبير» كيانًا ينبغي عزله عن المحيط العربي. هذا التعدّد في الدوافع جعل الذاكرة الوطنية موزعة على ولاءات متباينة: لكل منطقة «استقلالها»، ولكل جماعة «صورتها»، ولكل خطاب روايته الخاصة التي لا تُدمَج في إطار وطني مشترك. ونتيجة ذلك، لم تُبنَ أسطورة تأسيسية يتماهى معها الجميع كما في تجارب دول أخرى؛ لم يتكوّن «نصٌ جماعي» يربط بين الدم الذي سُفك والدولة التي قامت. وفي غياب تلك الأسطورة، بقي يوم الاستقلال حدثًا بلا جذور عميقة، محمولًا على اختلافات لا على ذاكرة موحّدة.
هوية متصدّعة في لحظة جيوبوليتيكية حادّة
اليوم، وفي ظلّ التحولات الجيوبوليتيكية التي تضغط على لبنان شمالاً وجنوبًا، ينكشف العيد كمرآة لأزمة هوية وطنية لم تُحسم منذ 1920. فـ«الأرزة»—التي كان يُفترض أن تكون رمزًا جامعًا—باتت عند كثيرين صورةً أكثر مما هي معنى، تُرفع في المناسبات الرسمية بينما تظلّ الهوية الفعلية أسيرة انتماءات ما قبل الدولة. هكذا يتحوّل 22 تشرين الثاني إلى يوم عطلة أكثر منه حدثًا يَستدعي الوعي التاريخي، وتصبح الدولة نفسها إطارًا مؤقتًا، هشًّا، معلّقًا بين ولاءات متضاربة. وفي غياب بنيةٍ سياسية موحّدة أو ذاكرة مشتركة، يبدو الاستقلال أقرب إلى فكرة غير مكتملة منه إلى حقيقة مستقرة، فيما تبقى البلاد واقفة على حافة خطر دائم، بلا إجماع على التاريخ، ولا وضوح في الهوية، ولا يقين في مستقبل الصيغة نفسها.
مقارنة مع بلدان أخرى
من المفيد المقارنة مع تجارب دول مستقلة أخرى. في كثير من الدول، يوم الاستقلال ليس فقط مناسبة احتفالية، وإنما مناسبة لإعادة تقييم ما تحقق من الدولة، ما بقي من تحديات، وما يجب العمل عليه. كما أن بعض الدول التي عانت من استعمار طويل أو تقسيم، تستخدم يوم الاستقلال كفرصة للمصالحة الوطنية: التعليم، العمل المدني، التذكير بالماضي، مع التأكيد على بناء مستقبل موحد.
في لبنان، ربما ما يفقِد الاحتفال قوته هو غياب هذا البُعد التحليلي والتصحيحي: كثيرون ما زالوا يحتفلون بالاستقلال كما لو أنه نهاية قصة، بينما هو بداية قصة مستمرة من البناء والهشاشة في آن واحد.
بهذا المعنى فإن اللبنانيين ليسوا «الشعب الوحيد» الذي يحتفل بعيد استقلاله، لكن ما يميز حالتنا هو التوتر العميق بين الرمزية الوطنية والسرد المتعدد للهوية: طائفية، عروبية، محلية. فعيد الاستقلال في لبنان لم يكن – ولا يزال – مجرد قصة موحدة: هناك سجالات حول معنى الاستقلال، من انتداب، من حرية، من دولة.
الأزمة الوطنية مستمرة في الداخل: بين مؤسسات ضعيفة، زعامات طائفية، ووعي شعبي متباين.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
