لن أقلّل من أهمية التعليم الخاص في لبنان، ولا من الجهد الذي يبذله كثير من أساتذته وإداراته، ولا من التجهيزات والبرامج والأنشطة والمساحات النفسية والترفيهية التي يتمتّع بها الطالب في داخله. بل إنّ المقارنة، في كثير من الأحيان، تبدو قاسية بين طالبٍ في مدرسة خاصة مرفّهة، وطالبٍ آخر في التعليم الرسمي، لا يجد أحيانًا مختبرًا لائقًا، ولا تدفئة، ولا مراحيض صالحة، ولا غرفًا صحية، ولا بيئة مدرسية تحفظ الحدّ الأدنى من الكرامة. وفوق ذلك كلّه، يقف المعلّم الرسمي نفسه منهكًا ومحبطًا، مسحوقًا تحت ثقل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
حادثة ليست عابرة
لكن المشهد الذي رأيناه في إحدى مدارس «الأليغانس» في بيروت لا يمكن قراءته بوصفه حادثًا عابرًا أو شغبًا طلابيًا محدودًا. إنّه مشهد كاشف. الفتيان الذين ظهروا في الصورة لا يخفون طبقتهم الاجتماعية؛ إنهم أبناء بيئة مرفّهة، تنتمي إلى عالم لا يستطيع الفقير الاقتراب من بوابته. وفي المقابل، تكاد المدرسة الرسمية، اليوم، لا تستوعب الفقير نفسه، لا ماديًا ولا تربويًا ولا نفسيًا.
الطالب الرسمي… والعقاب المختلف
لو أنّ طالبًا في مدرسة رسمية اعترض، أو أضرب، أو تظاهر، لربما جرى استدعاؤه أمنيًا، أو طُرد، أو أُهين، أو فُتحت بحقه محاضر وملاحقات. فكيف لو خلع الأبواب، وكسّر الممتلكات، وعبث بالمرافق، وأشعل الفوضى داخل حرم المدرسة؟ عندها لكان الأمر تحوّل إلى “خطر أمني” يستوجب العقاب الفوري، لا إلى مجرّد “تصرّف مراهق” قابل للاحتواء والتسوية. هذا أولًا. وثانيًا، فإنّ طالب المدرسة الرسمية، في الغالب، لا يملك ترف التفكير في كسر أو تفجير مفرقعات أو استعراض قوّة فارغة؛ فبعضهم ربما يعود بعد الدوام ليمارس عملاً صغيرًا، أو إلى مساعدة أسرته، أو إلى مواجهة يومية مع فقر لا يترك له وقتًا للعبث.
حين يصبح العنف ابن الامتياز
ما جرى يعبّر عن أزمة أعمق: أزمة نفسية، وخلل سلوكي، وتحوّل في معنى العنف لدى أبناء طبقات ميسورة. وهذا تحديدًا ما يرفض كثيرون الاعتراف به: العنف ليس دائمًا ابن الحرمان. أحيانًا يكون ابن الامتياز نفسه. فبعض أبناء البيئات الميسورة ينشأون في مناخ يرى فيه الطفل أنّ المال قادر على إزالة العقبات، وأنّ العلاقات قادرة على إطفاء أي ملف، وأنّ النفوذ السياسي أو الأمني أو الحزبي يمكنه أن يحلّ المشكلات خارج القانون. يسمع منذ طفولته عبارات من نوع: “اتركها عليّ”، “نحن نعرف فلانًا”، “الهاتف يحلّ كل شيء”، “القصة تُلفلف”، فينشأ لديه شعور خفيّ بأنّ العواقب ليست نهائية، وأنّ السلطة ليست في القانون، بل في القدرة على الالتفاف عليه.
التشبيح الناعم وصناعة الإحساس بالحصانة
وهنا يصبح العنف، أحيانًا، جزءًا من استعراض القوّة الاجتماعية، لا مجرّد انفعال مراهق. فالطالب الذي يرى محيطه يفرض إرادته عبر المال أو النفوذ أو “التشبيح الناعم”، قد يميل إلى ترجمة ذلك سلوكيًا داخل المدرسة: استهتار بالأنظمة، رغبة بالهيمنة، لذّة في كسر الحدود، وشعور داخلي بأنّ العقاب قابل دائمًا للتفاوض.
وهذا لا يعني بالطبع تعميمًا طبقيًا ساذجًا، فالعنف موجود في كل البيئات، لكنّ أشكاله تختلف. ابن الفقر قد ينفجر تحت ضغط الحاجة، أما ابن الامتياز فقد ينفجر تحت ضغط الفراغ، أو فائض الحماية، أو الإحساس غير المرئي بالحصانة.
الجيل الرقمي: العنف بوصفه عرضًا جماهيريًا
ثمّة بعد نفسي آخر لا يقل خطورة: جيل كامل يعيش اليوم داخل بيئة رقمية عنيفة ومتوترة. الهاتف لم يعد وسيلة تواصل فقط، بل صار غرفة نفسية مغلقة يعيش فيها المراهق ساعات طويلة. مئات ألعاب العنف، ومقاطع الإذلال، وثقافة “التحدّي”، وتصوير الفوضى وتحويلها إلى مادة للانتشار والبطولة الرقمية، كلها تعيد تشكيل وعي المراهقين تدريجيًا. العنف هنا لا يُمارَس فقط، بل يُستعرض ويُوثَّق ويُستهلك جماهيريًا.
من أميركا إلى فرنسا: مدارس العالم تدخل زمن العنف
الأخطر أنّ هذه الظاهرة لا تولد في فراغ. العالم كلّه يشهد انتقال العنف المدرسي من الهامش إلى المتن. ففي الولايات المتحدة تحوّلت حوادث العنف المدرسي وإطلاق النار في المدارس إلى ملف وطني دائم، وفي تركيا شهد نيسان 2026 حادثتي إطلاق نار مدرسيتين خلال أربع وعشرين ساعة، إحداهما في شانلي أورفا حيث أصيب 16 شخصًا، وفق تقرير لوكالة رويترز. كما تشير اليونسكو في تقريرها العالمي عن العنف المدرسي والتنمر إلى أنّ العنف داخل المؤسسات التعليمية لم يعد مسألة تأديبية ضيقة، بل ظاهرة مرتبطة بالبيئة الاجتماعية والنفسية والرقمية التي يعيش فيها التلامذة.
وفي الولايات المتحدة لم تعد حوادث العنف داخل المدارس والجامعات مجرّد أخبار عابرة، بل تحوّلت إلى ظاهرة بنيوية تضرب المجتمع الأميركي منذ سنوات. يكفي أن يتحوّل مشهد الطالب الذي يدخل صفّه بسلاح إلى صورة مألوفة في الإعلام الأميركي، حتى ندرك حجم التصدّع النفسي والاجتماعي الذي تعيشه أجيال كاملة هناك. الجامعات الأميركية نفسها لم تعد بمنأى عن هذا المناخ، حيث شهدت السنوات الأخيرة اعتداءات مسلحة، وعمليات دهس وطعن، وصدامات عنيفة مرتبطة بالاستقطاب السياسي والاجتماعي والنفسي المتفاقم.
أما في فرنسا، فالصورة تختلف شكلًا لكنها لا تقل خطورة. هناك تصاعد واضح في العنف المدرسي، والاعتداء على الأساتذة، وانتشار السلاح الأبيض بين المراهقين، حتى باتت وزارة التربية الفرنسية تتحدث بصورة متكررة عن “توحش” بعض السلوكيات داخل المؤسسات التعليمية. وقد هزّ فرنسا في السنوات الأخيرة أكثر من حادث، من اغتيال الأستاذ صامويل باتي عام 2020، إلى الاعتداءات المتكررة على المعلمين، وصولًا إلى حوادث الطعن والعنف الجماعي بين الطلاب. المدارس الأوروبية عمومًا بدأت تواجه جيلاً يتأثر بصورة هائلة بالعنف الرقمي، وثقافة الاستعراض، والانفصال النفسي المتزايد عن السلطة التربوية والأسرة معًا.
الهاتف والألعاب… مصنع العنف الجديد
الهاتف المحمول هنا ليس تفصيلًا. العنف اليوم لا ينتقل فقط من الشارع إلى المدرسة، بل من الشاشة إلى الخيال، ومن اللعبة إلى السلوك، ومن الفيديو القصير إلى المحاكاة. لا يعني ذلك تحميل الألعاب وحدها مسؤولية العنف، فالجمعية الأميركية لعلم النفس تميّز بين الارتباط بارتفاع السلوك العدواني وبين الادعاء المباشر بأنها تصنع الجريمة وحدها. لكنّها تؤكد في مراجعاتها أنّ التعرض المتكرر لمحتوى عنيف قد يرتبط بزيادة العدوانية لدى بعض الفئات. أما منظمة الصحة العالمية فتربط عنف اليافعين بجملة عوامل متداخلة، منها الاضطرابات السلوكية، والتعرض للعنف، وضعف الارتباط بالمدرسة، والبيئات الاجتماعية غير الآمنة.
لبنان: انهيار الدولة وتسرّب المخدرات
في لبنان، لا توجد نيابات عامة متخصصة تلاحق بجدية ترويج العنف الرقمي بين القاصرين، ولا توجد سياسة وطنية صارمة لمراقبة الألعاب العنيفة والمنصات التي تدرّب الخيال على القسوة. أما نوابنا، ففي الغالب، مشغولون بقوانين الزفت والمحاصصة والخدمات الانتخابية، لا بمشاريع قوانين جدية لحماية الطفولة والمراهقين من الانفلات الرقمي والسلوكي.
وتتضاعف الخطورة أيضًا بسبب الانهيار العام للدولة. فلا رقابة جدية على المحتوى الموجّه للقاصرين، ولا سياسات حماية نفسية داخل المدارس، ولا متابعة حقيقية لظواهر الإدمان الرقمي، فضلًا عن التسلل المتزايد لشبكات المخدرات إلى البيئات الشبابية والطلابية، بما فيها البيئات الميسورة نفسها. فالمخدرات لم تعد مرتبطة بالأحياء الفقيرة فقط، بل تحوّلت في بعض الأوساط إلى جزء من “أسلوب حياة” أو وسيلة هروب نفسي من القلق والفراغ والضغط الاجتماعي. ومع تعاطي بعض المواد المنشطة أو المهدئة، يصبح السلوك أكثر اندفاعًا وعدوانية وأقل قدرة على ضبط الحدود.
الهشاشة النفسية المقنّعة بالعنف
وإلى جانب المخدرات، تظهر آليات دفاع نفسية أخرى لدى بعض المراهقين: الميل إلى العنف الجماعي لإخفاء الهشاشة الداخلية، أو تحويل القلق إلى استعراض قوة، أو استخدام الفوضى كوسيلة لجذب الانتباه وإثبات الذات داخل المجموعة. ففي كثير من الحالات، لا يكون العنف تعبيرًا عن الثقة بالنفس، بل عن خوف داخلي مقنّع بالقسوة والضجيج.
ما بعد الحادثة: إنذار لا صفحة عابرة
غدًا، قد تُعوَّض إدارة المدرسة، ويُعاقَب بعض الطلاب، وتُكتب تعهدات بعدم التكرار، ويُطلب من الجميع طيّ الصفحة. لكنّ الصفحة لن تُطوى فعليًا. لأنّ ما حدث ليس حادثًا منفردًا، بل عيّنة من فلتان تربوي وتعليمي وأمني ونفسي أوسع. وما لم يُقرأ بوصفه إنذارًا اجتماعيًا، فسيتكرر بأشكال أخرى، وربما أكثر قسوة.
جيل ينمو داخل انهيار شامل
ليست المشكلة في مدرسة بعينها، ولا في طبقة بعينها، بل في بلدٍ فقد القدرة على ضبط حدوده التربوية والأخلاقية والنفسية. المدرسة لم تعد وحدها تصنع الطالب؛ تصنعه العائلة، والطبقة، والهاتف، واللعبة، والمخدرات، والمنصة، والشارع، وانهيار الدولة. وما شاهدناه ليس سوى لقطة قصيرة من فيلم طويل عنوانه: جيلٌ يكبر في بلدٍ يتآكل فيه معنى القانون، وتتراجع فيه هيبة المدرسة، ويكبر فيه الشعور بأنّ كل شيء يمكن شراؤه أو تجاوزه أو تسويته.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
