بين مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية والقضاء: إشادة بالأداء وصرخة لحماية الصحافة

كما أن واجب الصحافة أن تصوّب على مكامن الخلل، وأن تضيء على الأخطاء والانحرافات في أداء المؤسسات، فإن من واجبها أيضاً أن تتوقف عند النماذج الإيجابية حين تراها، وأن تقول كلمة إنصاف عندما يفرض الواقع ذلك.

اليوم، وخلال حضوري برفقة الزميل الدكتور علي خليفة إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، كان لا بد من تسجيل ملاحظة مهنية وإنسانية في آن معاً، تتصل بطريقة التعاطي داخل هذا المرفق، وبالأداء الهادئ والراقي الذي يعتمده رئيس المكتب العقيد إدي قهوجي وفريق العمل، سواء في التعامل مع الصحافيين أو مع غيرهم من المواطنين الذين تقودهم ظروفهم إلى هذا المكان.

ومن باب الإنصاف، بدا واضحاً أن ثمة فارقاً ملموساً بين بعض المراحل السابقة وما هو قائم اليوم في ظل الإدارة الحالية. فالأمر لا يتعلق فقط بأسلوب التعاطي أو اللغة أو احترام الأشخاص، بل أيضاً بتحسينات تنظيمية وترتيبات داخلية عكست رؤية مختلفة في إدارة هذا المكتب. فقد بات لكل غرفة قدر من الخصوصية، وباتت آلية الاستقبال والتعامل أكثر مراعاة للمعايير الإنسانية التي طالما طالبنا بها، بما يخفف من وطأة الحضور إلى مكان يرتبط، بطبيعته، بالتحقيقات والشكاوى والمسؤوليات القانونية.

وهذه الإشارة لا تأتي من باب المجاملة، بل من باب المسؤولية. فالصحافة التي تنتقد حين ترى ما يستوجب النقد، ينبغي أن تشيد حين ترى محاولة جدية لتحسين الأداء العام، خصوصاً في مؤسسة أمنية وقضائية الطابع، لطالما كان التعاطي داخلها موضع نقاش وقلق ومطالبة بالتطوير. وما لمسناه اليوم يعكس فكراً إدارياً مختلفاً، يقوم على قدر أكبر من التنظيم والاحترام والهدوء، وعلى وعي بأهمية التعامل مع الإنسان قبل الملف.

غير أن هذه الإشادة لا تلغي الصرخة الأوسع التي نكررها دائماً، ولا سيما في ما يتعلق بالصحافيين ودور القضاء في التحقق من الشكاوى المقدمة ضدهم. ومن دون الدخول في تفاصيل أي شكوى أو ملف شخصي، لأن وجع البلد والظروف القاسية التي يمر بها لبنان الجريح أسمى من أن يُثقل القارئ بقضايا فردية، يبقى من الضروري التذكير بأن بعض الشكاوى بات يُستخدم أحياناً في مواجهة الصحافيين لأغراض سياسية أو منفعية أو انتقامية أو للضغط المعنوي والمهني.

وهنا تقع المسؤولية الأساسية على القضاء في التمييز بين الشكوى الجدية التي تستوجب التحقيق، وبين الشكوى التي تتحول إلى وسيلة ترهيب أو إسكات أو تعطيل لدور الصحافة. فحرية الإعلام حق عام للمجتمع في المعرفة والمساءلة وكشف ما يجري في الشأن العام.

لقد كنا، وسنبقى، نطالب بأن تُقرأ الملفات التي يعالجها بعض الصحافيين المتخصصين، ممن يتمتعون بخلفية علمية ومهنية موثوقة، بوصفها مادة تستحق التحقق والمتابعة، لا بوصفها سبباً فورياً لملاحقة من نشرها. فحين يطرح الصحافي وقائع ومعطيات وأسئلة تتصل بالمصلحة العامة، يفترض أن تتحول هذه المواد، عند الاقتضاء، إلى إخبار تتحرك على أساسه النيابات العامة، بدل أن تتحول إلى عبء على الصحافي الذي يؤدي دوره التوعوي والرقابي.

المطلوب ليس إعفاء الصحافة من المسؤولية، ولا منح الصحافي حصانة خارج القانون، بل حماية التوازن الضروري بين المساءلة والحرية. فمن حق أي متضرر أن يلجأ إلى القضاء، لكن من واجب القضاء أيضاً أن يحمي المساحة التي تسمح للصحافي بأن يسأل، ويبحث، وينشر، وينبّه، من دون أن يصبح كل ملف يفتحه سبباً لاستدعائه أو إنهاكه أو الضغط عليه.

لذلك، فإن الإشادة اليوم بالتعاطي الراقي داخل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، وبالأداء المهني للعقيد إدي قهوجي وفريق العمل، لا تنفصل عن الدعوة الأوسع إلى تطوير العلاقة بين المؤسسات الأمنية والقضائية من جهة، والصحافة من جهة أخرى. فالدولة القوية ليست تلك التي تخاف من السؤال، بل تلك التي تحوّل السؤال إلى فرصة لكشف الحقيقة وتصحيح الخلل.

من هنا فإن الحاجة ملحّة إلى مؤسسات تعرف كيف تجمع بين تطبيق القانون واحترام الكرامة الإنسانية، وبين واجب التحقيق وحماية حرية التعبير. وما رأيناه اليوم يستحق أن يُقال لأنه يثبت أن الإصلاح ممكن حين تتوافر الإرادة، وأن الفارق في إدارة المؤسسات يبدأ أحياناً من طريقة استقبال الناس، واحترامهم، والنظر إليهم كأصحاب كرامة لا كأرقام في ملفات.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.