في لحظةٍ نادرةٍ عاشها العالم مع اقتراب وقف إطلاق النار في غزّة، عاد النظام الإيراني ليؤكد أنّه العدوّ الأبرز للسلام في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي دوّت فيه أصوات الترحيب بالمبادرة الأميركية لإنهاء الحرب، خرجت طهران على عادتها رافضةً أيّ حلٍّ يُنهي نزيف الدم، ومصمّمة على إبقاء نار الحرب مشتعلة.
في عواصم العالم، كان القادة يتحدثون عن بداية مرحلة جديدة. الأمم المتحدة، أوروبا، والدول العربية عبّروا جميعاً عن أملٍ في طيّ صفحةٍ طويلة من المعاناة، بينما وقف النظام الإيراني وحيداً ضد التيار، كما لو أنّ السلام جريمةٌ يجب وأدها قبل أن تولد.
لم يُخفِ خامنئي ونظامه يوماً أن بقاءهم مرهونٌ بتصدير الأزمات. ففي خطبه الأخيرة، حاول المرشد تصوير خطة السلام على أنها خيانة لفلسطين، غير أنّ الخيانة الحقيقية تكمن في تحويل فلسطين إلى أداةٍ لبقاء نظامه. فمنذ أكثر من أربعة عقود يرفع هذا النظام شعار تحرير القدس، فيما يملأ السجون بشباب إيران، ويقمع الشعوب في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
ولم يكن رفض خطة السلام إلا استمراراً لنهجٍ ثابتٍ يقوم على إشعال الحروب في الخارج للتغطية على الأزمات في الداخل. فقد بنى النظام الإيراني سياسته الخارجية على قاعدةٍ واحدة: الفوضى تحمينا، والسلام يهددنا. فكل مبادرةٍ للتهدئة تُقابَل في طهران بخطبٍ نارية، وكل خطوةٍ نحو تفاهمٍ إقليمي تُعدّ خطراً وجودياً على بنيته.
لكنّ هذه الحقيقة لم تعد خافية على أحد. فالمجتمع الدولي بات يدرك أن الممانعة التي يتحدث عنها النظام ليست سوى ستارٍ لتمويل الميليشيات وتهريب السلاح. لقد استغلّ خامنئي القضية الفلسطينية لابتزاز العالم العربي، كما استغلّ الدين لقمع الشعب الإيراني.
في المقابل، يبرز اليوم صوتٌ آخر من داخل المجتمع الإيراني، لا يشبه ضجيج النظام ولا أكاذيبه: إنّه صوت المقاومة الإيرانية وأنصارها المنتشرين في أوروبا وأميركا. ففي نيويورك، وأمام مبنى الأمم المتحدة، احتشد المئات من الإيرانيين الأحرار في تظاهرةٍ ضخمة رفعوا خلالها شعاراتٍ تدعو إلى إسقاط النظام الديني، مؤكدين أنّه لا يمثّل لا فلسطين ولا إيران.
كانت تلك التظاهرة في نيويورك انعكاساً لصراعٍ أعمق بين شعبٍ يتوق إلى الحرية ونظامٍ يعيش على الخراب. لم يخرج المتظاهرون تضامناً مع الشعب الفلسطيني فحسب، بل لفضح تلاعب النظام بآلام الشعوب، والتأكيد أن عدوّ فلسطين هو ذاته عدوّ إيران. وقد وجدت هذه الرسالة صداها في وسائل الإعلام الغربية التي نقلت مشاهد الإيرانيين وهم يرفعون لافتاتٍ كتب عليها: رأس الأفعى في طهران.
وفي بيانها الأخير، أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، أن خامنئي يستخدم القضية الفلسطينية درعاً لحماية نفسه، بينما هو أول من يطعنها في الظهر. وأضافت أن تحقيق السلام في المنطقة لن يكون ممكناً إلا بإقصاء هذا النظام عن المجتمع الدولي ومحاسبة قادته على جرائمهم ضد الإنسانية.
وهكذا تتضح الصورة أكثر من أي وقتٍ مضى: فالنظام الإيراني ليس جزءاً من الحل، بل أصل المشكلة. كلّما اقتربت المنطقة من السلام، مدّ يده بالنار ليعيدها إلى الفوضى. وكلّما ارتفعت أصوات الشعوب مطالبةً بالحرية، أسكتها بالدم.
غير أنّ رياح التغيير بدأت تهبّ. فحركة المقاومة الإيرانية التي كشفت لسنواتٍ وجه النظام الحقيقي، باتت اليوم الصوت المعبر عن ضمير الشعب الإيراني في الخارج. ومن نيويورك إلى بروكسل وباريس، تتسع رقعة التظاهرات التي تربط بين معاناة الإيرانيين ومعاناة شعوب المنطقة، في تأكيدٍ على أن منبع الأزمات واحد: نظام ولاية الفقيه.
إنّ نهاية الحروب في الشرق الأوسط لن تتحقق باتفاقياتٍ مؤقتة، بل بإسقاط هذا النظام الذي يعيش على دماء الأبرياء. وما تظاهرات الإيرانيين في الخارج إلا إرهاصات لتحوّلٍ تاريخي، يؤكد أن طريق السلام الحقيقي يبدأ من طهران، لا من واشنطن ولا من غزّة.

مهدي عقائبي
كاتب إيراني - عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
