من قتل ياسر عرفات؟

حين يُفتح التحقيق في كييف ويُغلق في رام الله

ليس الاغتيال فعلًا معزولًا في التاريخ السياسي، بل لغةٌ كاملة تُكتب حين تعجز الدبلوماسية، وحين يُراد إسكات فكرة قبل إسكات صاحبها. غير أنّ الأخطر من الاغتيال نفسه هو ازدواج المعايير في التعاطي معه: زعيم يُسمَّم في أوروبا فتُستنهض لجان التحقيق وتُوجَّه أصابع الاتهام، وزعيمٌ آخر يذبل في حصارٍ عربي–دولي فيُترك موته يتيمًا بلا سؤال.

في أوكرانيا، حين سُمِّم زعيم المعارضة آنذاك فيكتور يوشينكو، لم تُغلق القصة عند باب المستشفى. فُتحت التحقيقات، ودوِّنت الشبهات، وارتفع الاتهام سياسيًا وإعلاميًا. أمّا في رام الله، فالمشهد مختلف تمامًا: رجلٌ كان يقف قبل أسابيع يتنقّل بين غرف المقاطعة، ثم يسقط فجأة في متاهة مرضٍ غامض، يُنقل إلى باريس، ويموت… وتنتهي الحكاية رسميًا بلا جريمة.

الحصار الذي سبق الموت

منذ عام 2001 وحتى صيف 2004، لم يكن ياسر عرفات مجرّد رئيسٍ محاصر، بل كان مشروعًا سياسيًا يُراد كسره. حصارٌ في المقاطعة بـرام الله، تدميرٌ لمحيطه، عزلةٌ سياسية، وأحاديث متصاعدة في الصحافة الإسرائيلية عن “التخلّص منه” أو “تركه يذبل”. لم تكن هذه همسات. كان أرييل شارون يصرخ علنًا: يجب التخلّص من عرفات، كما تخلّصنا من أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي. والسابقة موجودة، والمحاولات موثّقة، من بينها محاولة اغتيال خالد مشعل التي فشلت بتدخّل مباشر من الملك حسين.

الأخطر لم يكن التصريح وحده، بل السياق الدولي الذي أحاط به. في روايات متعددة، شرح شارون للرئيس الأميركي جورج بوش ضرورة “التخلّص من عرفات”. رفض بوش، فكان ردّ شارون البارد: “الأمر متروك للرب”. حين يقول رجل دولة هذا الكلام، فهو لا يستقيل من الفعل، بل يبرّره أخلاقيًا قبل وقوعه.

لم يكن شارون وحده. عرفات، بعد أوسلو، لم يعد الزعيم “المروّض” كما أُريد له. عاد إلى مربّع الحقوق، إلى حقّ العودة، إلى لغةٍ لا تناسب خرائط التسوية السريعة. هنا تحوّل من شريكٍ مزعج إلى عبءٍ يجب إزاحته.

نُقل عرفات إلى باريس. تدهورت صحته بسرعة صادمة. رجلٌ بلا تاريخٍ مرضيّ خطير، بلا تفسيرٍ طبّي واضح. التقارير الفرنسية تحفّظت، لم تقل تسميمًا ولم تنفه صراحة. صمتٌ علميّ بارد، يترك السياسة تسرح بلا قيد. غابت الشفافية، وغاب الإصرار العربي على تحقيقٍ دولي، وغاب السؤال البسيط: كيف يموت زعيمٌ محاصر بهذه السرعة، وبهذا الغموض؟

من المستفيد؟

في الاغتيالات السياسية، السؤال ليس: من ضغط على الزناد؟ بل: من استفاد من الغياب؟ غاب عرفات، فتفكّكت المرجعية، وتعددت العناوين، ودخلت القضية الفلسطينية مرحلة التيه الاستراتيجي. هل كان هناك أطراف إقليمية ضاقت بعودته إلى خطاب الحقوق؟ هل أراد بعض العرب زعيمًا أقل إزعاجًا وأكثر قابلية للإدارة؟ أسئلة لم تُطرح بجدّية، لأن طرحها يفتح ملفات أكبر من رجل.

في أيامه الأخيرة، وهو محاصر في رام الله، قال عرفات: “سلّمت أمري إلى الله”. لم تكن جملة استسلام، بل وصيّة رجل أدرك أن السياسة حين تعجز، تترك صاحبها وحيدًا أمام قدرٍ مُدبَّر.

من قتل ياسر عرفات؟

السؤال لا يزال بلا إجابة، لا لأن الأدلة غائبة، بل لأن الإرادة غائبة. بين كييف ورام الله، تُقاس الدماء بميزان السياسة، ويُفتح التحقيق حين يخدم السردية، ويُغلق حين يفضحها. وفي هذا الفراغ، لا يموت الزعماء وحدهم… تموت الحقيقة معهم…

 

 

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.