كيف أصبح الجنس الأكثر ذكاءً وإبداعًا هو الجنس الأكثر خطرًا؟ فعلى الرغم من كل إبداعاتنا الهائلة وذكائنا، نقوم بتدمير نظام الدعم الكوكبي بوتائر مخيفة: الغابات، والموارد، والطاقة، والهواء، والتربة، والأنهار، فيما تغيّر المناخ يسير نحو المجهول. سيتغيّر الكوكب إلى درجة أنّ البشر لن يستطيعوا العيش فيه.
تراجيديا كبرى حلّت بنا، وجنسنا ربما يقترب من نهايته.
أين أخطأنا؟
هل بدأ الخطأ مع عصر الأنوار المبتعد عن الطبيعة؟ أم مع الثورة الصناعية التي أطلقت الاستهلاك المضطرد للطاقة الأحفورية، واستهلاك الموارد الطبيعية، والتلوث، والاحترار العالمي؟ أم مع قمع الشعوب الأصلية وفقدان حكمتها؟ أم مع تشريع الربا الذي أدّى إلى تزويج الاقتصاد بالنمو المضطرد؟ أم مع الحضارة وبناء المدن؟ أم مع اندثار المجتمعات الأمومية؟ أم مع الثورة الزراعية؟ قد يكون بعض هذه العوامل سببًا من أسباب الأزمة، لكنني لا أعتقد أنّ أيًا منها هو جذرها. فأصلها يعود إلى ما هو أعمق.
الابتكار نفسه ليس جديدًا، إذ إنّ من طبيعة التطور الخلّاق استطلاع مداخل وطرق جديدة. طوال ستة ملايين سنة كانت البيولوجيا تتطوّر، وكان الجسر لذلك هو الجينات. لكن الآن، الثقافة تتطوّر، ووسائط الابتكار أصبحت العقل البشري: معتقداته، وقيمه، ومهاراته، وأفكاره، وفهمه. وهذه تستطيع أن تتطوّر بشكل أسرع بكثير من الجينات.
قبل خمسة آلاف سنة، تم اختراع العجلة التي مهّدت لبروز التكنولوجيا الميكانيكية. ثم إنّ الإبهام المعاكس خلق الكتابة: لقد وُلدت أولى تكنولوجيات المعلومات. بات للجنس البشري ذكاء مسلّح بالتكنولوجيا، فلم يعد يستخدم الأدوات فقط لأغراض محدّدة، بل بات يستعملها أيضًا لإنتاج أدوات أفضل، وهذا هو جوهر التكنولوجيا.
التقدّم السريع والمكثّف في السنوات الخمسين الأخيرة جاء في 1% من 1% من 1% من 1%، أي واحد من مئة مليون، من تاريخ الأرض.
مع عصر النهضة والتنوير والثورة الصناعية، أصبح التغيير أسرع، وبات التقدّم جزءًا أساسيًا من الحياة. لقد ترك الزمن الدوري مكانه للزمن الخطي، أي التقدّم إلى الأمام كالخط. أمّا الآن، فقد دخلنا مرحلة زمن النمو المضطرد الانفجاري. لكن عقولنا تجد صعوبة جمّة في التفكير في التغيّر المضطرد، فالبشر تطوّروا في عالم كانت وتائر التغيير فيه بطيئة. ونتيجة لذلك، نفشل في رؤية مضاعفات النمو المضطرد وإلى أين يقودنا.
«الفرادة» Singularity هي التعبير الذي يطلقه علماء الرياضيات على النقطة التي تنهار عندها الأنماط والمعادلات القائمة وتصبح بلا معنى. فالقطب الشمالي، مثلًا، هو فرادة جغرافية بسيطة: كيف تذهب إلى الشمال من هناك؟ مفاهيمنا عن الاتجاهات تنهار هنا. ومركز الثقب الأسود مثال آخر على الفرادة، فالزمان والمكان يتوقفان عن أن يكون لهما أي معنى، ومعادلات الفيزياء تصبح مليئة باللانهائيات.
الفكرة القائلة إنّ تطوّرنا قد يقترب من نوع من الفرادة طرحها أولًا الرياضي فيرنور فينجي عام 1992، وطرحتها أنا في الوقت نفسه، ثم راي كيرزفيل، الذي جادل بأنّه إذا كانت قدرات الكمبيوتر تتضاعف كل 18 شهرًا، كما كان يحدث طوال الخمسين سنة الماضية، فإنّه خلال السنوات العشر المقبلة سيتفوّق الذكاء الاصطناعي على العقل البشري في الأداء والقدرات. إذ إنّ هذه الأنظمة الرقمية الذكية الفائقة ستكون قادرة حينذاك على خلق أنظمة أكثر ذكاءً منها، وستكون أسرع بشكل أسطوري من البشر. كيرزفيل يدعو ذلك «الفرادة التاريخية»، حيث لا تعود الأنماط القديمة من التاريخ منطبقة على الحاضر.
أمّا إلى أين يقود ذلك، فكل الخيارات مطروحة. ومع ذلك، نستطيع أن نقول شيئًا واحدًا عن عالم ما بعد الفرادة: وتيرة التغيير السريعة ستواصل التسارع، وبروز الأنظمة فائقة الذكاء سيسرّع وتائر التطور أكثر. وهذا يتحدى رؤيتنا للمستقبل بعيد المدى للبشر بوسائل عدّة، ويتطلب تغييرًا أساسيًا وجذريًا في نموذجنا للمستقبل.
لكن اليوم، نحن نعيش في عصر الزمن المضطرد. فالابتكار سيتزايد، وفي منتصف هذا القرن سيكون أسرع بكثير مما هو عليه اليوم، على الرغم من سرعته المدوّخة الآن. وفي القرن المقبل، سيكون مستعصيًا على الخيال. وهذا يتخطى كل تفكيرنا حول التقدّم الخطي.
حين نركّز على أي حقل من حقول النمو، فإن معظمها سيتضح: السكان، والاستهلاك، واستخراج الموارد، وتطوير المواد، كل ذلك قد يصل إلى حدوده. لكننا هنا نتحدث عن التزايد العام للتطور. يقترح البعض أنّ التقدّم التكنولوجي المستقبلي سيكون نحو وسائل أكثر ديمومة لتوفير احتياجاتنا، وبالتالي سيقلّص النمو في استهلاك الموارد. ويعلّق البعض آماله على الذكاء الاصطناعي المتقدّم، القادر على حل العديد من المشكلات، ومعالجة تأثيرات تغيّر المناخ، واختراع تكنولوجيات لتنظيف التلوث، أو خلق أنظمة اقتصادية توزّع الثروة والموارد بشكل أكثر مساواة. ويجادل آخرون بأن التحوّل الكاسح في الوعي قد يؤدي إلى التخلي عن الوسائل الذاتية المتمحورة حول الأنانية.
لكن، حتى لو حققنا كل ذلك، هل سيوقف ذلك التطور المتسارع؟ كلا. فالابتكار لن يتوقف. قد نختار أن نطبّق قدراتنا الابتكارية بطريقة أخرى، لكن الابتكار سيواصل توليد الابتكار، ويشعل بالتالي التغيّر المضطرد. لن تكون هناك «عودة إلى المستقبل» كما اعتدنا، أي إلى التغيّر الخطي الثابت.
أي جنس ذكي يستخدم التكنولوجيا سيسعى إلى تحسين مستوى حياته وسلامته وبقائه. وهذا ينطبق بالطبع على الحصول على التكنولوجيا اللازمة لذلك. ومع تراكم الابتكار فوق الابتكار، فلا محالة أن يقفز تطوره التكنو-ثقافي إلى الأمام، نحو مرحلة من التسارع الفائق المترافق مع مضاعفات غير محسوبة.
لا يجب أن نلوم أحدًا على هذا التسارع في تطوّرنا. قد نلوم الناس، أو الشركات، أو الثقافات، ونقول إنّ قرارات مختلفة كانت ستؤدي إلى محصلات أفضل لنا وللكائنات وللكوكب. لكن هذا لن يوقف التغيير، وسيواصل النمو التكنولوجي انفلاته من عقاله. الإجابة هي: هكذا هو الأمر مع أجناس ذكية تستخدم التكنولوجيا. ليس هناك مبرّر للاعتقاد بأن هذا النمط التطوري، المستمر منذ فجر الحياة، سيتباطأ الآن؛ فالانفجارات لا تتوقف فجأة وتعود إلى الاحتراق البطيء.
تخيّل العالم بعد 25 سنة من الآن. بعض الأشياء ستكون واضحة. سيكون لدينا ذكاء اصطناعي أذكى من البشر في العديد من المجالات. والتقدّم في البيولوجيا الجزيئية قد يزيد معدلات الأعمار كثيرًا. أجسامنا وحواسنا ووظائفنا العقلية ستتعزّز بوسائل لا يتحدث عنها الآن سوى الخيال العلمي.
بعد 50 سنة، سيكون تخيّل المستقبل أصعب. والتكنولوجيا ستكون أضخم مما لدينا الآن. التغيّر الكاسح سيأخذنا إلى مناطق مجهولة: عالم فوق الخيال، كما أنّ عالمنا اليوم فوق خيال الإغريق القدماء.
أي نظام قد يتحمّل قدرًا من التوتر قبل أن ينهار. إذا جعلت العجلة تدور بشكل أسرع فأسرع، فإن التوتر المتصاعد سيمزقها في النهاية. وبالمثل، مع وتائر التغيير المتسارعة باضطراد، فإن الأنظمة، سواء كانت بيولوجية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو بيئية كوكبية، ستنهار في النهاية. الأزمات ستتراكم فوق بعضها بعضًا بشكل أسرع فأسرع، وتقودنا نحو العاصفة العالمية الكاملة.
نستطيع أن نشبّه وضعنا بالماء الذي يدور نحو قاع البالوعة. حين يكون الماء بعيدًا عنها يدور ببطء، لكن حين يقترب من القاع تُصاب سرعته بالجنون. البشرية تحثّ الخطى الآن، أسرع فأسرع، نحو البالوعة التطورية، وهي تهبط إلى هذه البالوعة بفعل وتائر التطور المضطرد، ثم ستصل إلى نهايتها كما الماء في البالوعة.
والحصيلة أعلاه سببها الفرادة التطورية التي بدأنا، بشكل محتّم، السير نحوها حالما وضعنا في أيدينا قوة الابتكار التكنولوجي.
وهكذا نصل إلى النتيجة غير المريحة حين نضع التغيّر المضطرد، بدل التغيّر الخطي، في الاعتبار، إذ يبدو أنّ المجتمعات المستندة إلى التكنولوجيا والابتكار قصيرة العمر لا محالة. إنّها قصيرة العمر ليس بسبب أي خطأ من جانب شعبها، ولا بسبب استخدامها التكنولوجيا، بل بسبب التسارع نفسه. فالابتكار سيواصل تفريخ الابتكار، ما يقوّي ليس فقط النمو المضطرد، بل أيضًا الضغط المتزايد على البنى التحتية البيولوجية والاجتماعية والكوكبية. وفي النهاية، حين لا تتمكّن من الصمود، تنهار.
الآن سنجيب عن سؤالنا الأولي: كيف أمكن لجنسنا الذكي أن يصبح أخطر جنس؟ ونرد: السبب أنّ تسارع التطور يترك وراءه اضطرابًا متزايدًا يهدد بتقويض النظام. هذا لا يعني أننا أخطأنا، بل هذا ببساطة ما يحدث لمجتمع تكنولوجي يتحرّك بشكل أسرع فأسرع نحو عين الإعصار التطوري.
هنا نحن نواجه النهاية، وليس فقط نهايتنا الشخصية، بل النهاية المحتملة لعرقنا. حين ننظر إلى كل ما خلقناه، وكل الأشياء الطيبة فينا، وكل ما هو عزيز لدينا، وكل ما يمكن أن نصبحه، يصبح من الصعب قبول فكرة أنّ جنسنا يقترب من نهايته المحتومة.
ومما يجعل الأمور أسوأ أنّ الضغط المضطرد للنمو القفزاتي على مختلف الأنظمة البشرية والاجتماعية والإيكولوجية يشير بالفعل إلى أنّ الأمور تتجه إلى نهايتها في هذا القرن، أو حتى يمكن أن أقول إنها تسير بسرعة نحو هذا الهدف، بما أنّ تأثيرات هذا التوتر والضغط واضحة في عالم اليوم. هذه أخبار تعيسة لأجيالنا الجديدة، التي ستعيش في عالم أبعد ما يكون عن ذلك الذي تخيّلوا، أو تخيّلنا، أنهم سيرثونه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن كتاب بيتر رسل:
Forgiving Humanity: How the Most Innovative Species Became the Most Dangerous

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
