في السادس من حزيران عام 1982، بدأت إسرائيل عملية «سلامة الجليل» واجتاحت لبنان، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الحروب والتحوّلات الاستراتيجية التي أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود. وبعد أربعة وأربعين عاماً، يحلّ السادس من حزيران 2026 فيما يجد لبنان نفسه، مرة أخرى، في قلب عاصفة إقليمية تتشابك فيها الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، وسط تصعيد عسكري ومخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ورغم اختلاف الظروف والفاعلين وتوازنات القوة بين المرحلتين، فإنّ المشهد يحمل مفارقة لافتة: رئيس أميركي يسعى إلى ضبط إيقاع التصعيد، وحكومة إسرائيلية تدفع نحو خيارات أمنية وعسكرية أوسع، ولبنان يتحوّل مجدداً إلى ساحة جغرافية صغيرة تُختبر فوقها حدود النفوذ والردع للقوى الإقليمية والدولية.
وبين بيروت 1982 وبيروت 2026، لا يبدو التاريخ وكأنّه يكرّر نفسه حرفياً، بقدر ما يعيد إنتاج أزماته بأدوات جديدة وعناوين مختلفة. إذ يبرز هذا الاختلاف الجوهري في تحوّل طبيعة الصراع نفسه من مواجهة مع جيوش نظامية تقليدية في جغرافيا مكشوفة، إلى حرب هجينة بالغة التعقيد مع دول إقليمية فاعلة، تمتلك ترسانات صاروخية دقيقة وشبكات مسيّرات متطوّرة قادرة على نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي، ما فرض معادلة ردع متبادل لم تكن قائمة في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى احتواء التوترات الإقليمية ومنع توسّع الحرب، بما يهدد مصالحها الاستراتيجية ومساراتها التفاوضية المفتوحة مع طهران، تبدو القيادة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى مواصلة الضغوط العسكرية لتحقيق أهداف أمنية تعتبرها ضرورية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية على حدودها الشمالية. وقد أدّى هذا التباين إلى ظهور خلافات غير مسبوقة حول إدارة الأزمة اللبنانية، خصوصاً بعدما باتت أي عملية عسكرية واسعة النطاق تحمل مخاطر تتجاوز حدود لبنان لتطال التوازنات الإقليمية برمّتها، ولا سيما في ظل معادلة «ترابط الجبهات» وسقوط نظرية الاستفراد بالساحات. فلم يعد بالإمكان عزل الجبهة اللبنانية عسكرياً كما حدث عام 1982، بل أصبحت هذه الجبهة الركيزة الأساسية لشبكة أمنية ممتدة تنشط بالتزامن من البحر الأحمر إلى العراق وسوريا، بحيث يتردد صدى أي تصعيد في جنوب لبنان فوراً في ممرات الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة الحيوية في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تعكس النقاشات المحتدمة داخل المؤسسات السياسية الأميركية حجم الانقسام القائم حول جدوى الانخراط العسكري في المنطقة، وحدود الدعم الذي ينبغي تقديمه للحلفاء، وتحديداً لإسرائيل. فثمة تيار متنامٍ يدعو إلى تقليص فرص الانجرار إلى صراعات جديدة في الشرق الأوسط، في مقابل اتجاه آخر يرى أنّ الحفاظ على النفوذ الأميركي يتطلب استمرار الحضور العسكري والسياسي الفاعل في ملفات المنطقة. ويكشف هذا الجدل أنّ الحرب لم تعد مجرد قضية أمنية خارجية، بل تحوّلت أيضاً إلى موضع سجال داخلي يرتبط بمستقبل الدور الأميركي نفسه في عالم لم يعد محكوماً بالأحادية القطبية التي ميّزت حقبة ثمانينيات القرن الماضي، إذ تتحرك واشنطن اليوم بحذر خشية أن يستغل خصومها الدوليون، مثل روسيا الحاضرة عسكرياً في سوريا، والصين الساعية إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي في العالم.
ومن جهة أخرى، تبدو إيران حريصة على توظيف التطورات الميدانية ضمن مقاربة تفاوضية أوسع، تقوم على ربط الملفات الأمنية والعسكرية بمسارات التفاهمات السياسية والاقتصادية. فالساحة اللبنانية، بالنسبة إلى طهران، لا يُنظر إليها باعتبارها ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة مترابطة من الأوراق الإقليمية التي يمكن استخدامها لتعزيز موقعها التفاوضي وتحسين شروط أي تسويات محتملة مع واشنطن.
هذا الترابط بين الجبهات المختلفة يزيد من صعوبة فصل الأزمة اللبنانية عن بقية أزمات المنطقة، ويجعل أي تصعيد ميداني قابلاً للتحوّل إلى عنصر ضغط في ملفات أخرى تتعلق بأمن الطاقة العالمي، ما يربط استقرار الجنوب اللبناني مباشرة بأمن الممرات البحرية والبرنامج النووي الإيراني. كما يمدّد الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة من معالجة الوضع الميداني الضيق إلى محاولة منع انفجار مواجهة إقليمية شاملة تمسّ شرايين الاقتصاد الدولي.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز معضلة الدولة اللبنانية التي تجد نفسها أمام تحدي استعادة دورها كمرجعية أمنية وسياسية قادرة على إدارة الاستقرار الداخلي وحماية الحدود. فالكثير من الطروحات الدولية تعتبر أنّ أي تهدئة طويلة الأمد لن تكون قابلة للحياة ما لم تقترن بتعزيز مؤسسات الدولة وتمكينها من بسط سلطتها على كامل أراضيها، بما يحدّ من احتمالات العودة المتكررة إلى دوامات التصعيد. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً بالنظر إلى التآكل البنيوي غير المسبوق للداخل اللبناني. فخلافاً لعام 1982، يواجه لبنان اليوم خطراً داهما يتمثل في افتقاره إلى القدرة على فرملة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، نتيجة الانهيار المالي والشلل المؤسساتي والفراغ الدستوري، ما يجعل أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق بمثابة قوة دفع قد تؤدي إلى التحلّل الكامل لهيكل الدولة، وتحويلها إلى ساحة فوضى مفتوحة لا يمكن ضبط تداعياتها.
وإذا كانت المواجهة الراهنة تبدو، في ظاهرها، نزاعاً مرتبطاً بظروف آنية ومتغيرات ميدانية، فإنّ القراءة الأعمق تكشف أنّها امتداد لصراع أقدم ما زالت المنطقة تدور في حلقاته منذ عقود. فالأماكن نفسها تعود إلى الواجهة، والقضايا الجوهرية ذاتها تبقى بلا حلول نهائية، فيما تتبدّل الوجوه والقيادات، وتستمر الأزمات بأشكال مختلفة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
