تاريخ المونديال… من 13 إلى 48 منتخباً

تحليل – خاص «بيروت 2030»

افتتح مونديال 2026 عصراً جديداً في تاريخ كرة القدم؛ فلم تُسدل الستارة عليه بإعلان بطل جديد فحسب، بل أُعلن معه انتهاء فصل كامل من تاريخ كأس العالم، امتد حتى نسخة عام 2022، وبداية فصل آخر أكثر اتساعاً وتعقيداً وشمولاً. فعلى أرض نيوجيرسي، حيث احتشد عشرات الآلاف من المتفرجين في ملعب «نيويورك نيوجيرسي»، حسمت إسبانيا المباراة النهائية أمام الأرجنتين بنتيجة 1-0 بعد التمديد، لتُتوَّج بلقبها العالمي الثاني، وتكتب اسمها في الصفحة الأولى من عصر المنتخبات الـ48.

وكان النهائي، الذي استقطب اهتمام جماهير كرة القدم حول العالم، أكثر من مجرد مواجهة بين منتخبين كبيرين؛ فقد جمع بين إسبانيا، بطلة أوروبا وصاحبة الأسلوب القائم على الاستحواذ والتحكم في إيقاع اللعب، والأرجنتين، حاملة لقب مونديال قطر 2022، التي دخلت المباراة مدفوعة بطموح الحفاظ على تاجها العالمي. وبعد مواجهة اتسمت بالتوتر والإثارة حتى لحظاتها الأخيرة، احتاجت إسبانيا إلى هدف سجله فيران توريس في الدقيقة 106 من الوقت الإضافي، لتحسم اللقب وتنتزع الكأس في واحدة من أكثر نهايات البطولة تشويقاً وإثارة.

لكن قيمة هذا التحول لا تُفهم من خلال الرقم 48 وحده، بل من خلال المسافة التاريخية الطويلة التي قطعتها كأس العالم منذ انطلاقها عام 1930 في الأوروغواي، بمشاركة 13 منتخباً فقط. وبعد أربع سنوات، ارتفع العدد إلى 16 منتخباً، قبل أن تتوسع البطولة تدريجياً إلى 24 منتخباً عام 1982، ثم إلى 32 منتخباً بدءاً من مونديال فرنسا عام 1998، وصولاً إلى 48 منتخباً في نسخة عام 2026، في أكبر توسع يشهده المونديال منذ تأسيسه.

ومع اتساع رقعة كرة القدم خارج أوروبا وأميركا الجنوبية، فرض السؤال نفسه بشأن مدى قدرة كأس العالم على مواكبة الخريطة العالمية الجديدة للعبة. وجاءت الإجابة عام 2017، عندما أقرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم توسيع البطولة، بدءاً من مونديال 2026. وقد شكّل ذلك محطة مفصلية في مسيرة المسابقة، إذ لم يكن التغيير مجرد زيادة عددية، بل إعادة صياغة شاملة لبنية المونديال وطبيعة المشاركة فيه. ويؤكد «فيفا» أن البطولة بدأت بـ13 منتخباً عام 1930، ثم انتقلت عبر مراحل مختلفة وصولاً إلى النظام الموسع في نسخة 2026.

وواجه الاتحاد الدولي التحدي الأكبر، المتمثل في كيفية استيعاب هذا العدد من المنتخبات من دون إضعاف مستوى المنافسة. وجاء الحل عبر توزيعها على 12 مجموعة، تضم كل منها أربعة منتخبات، بحيث يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة، إضافة إلى أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث، لتبدأ الأدوار الإقصائية من دور الـ32.

وفي المحصلة، لا يتذكر التاريخ عدد المنتخبات التي شاركت فحسب، بل يتذكر أيضاً اسم المنتخب الذي رفع الكأس. وهنا كتبت إسبانيا خاتمتها الخاصة للنسخة الأولى من العصر الجديد، بعد رحلة طويلة وشاقة تخطّت خلالها فرنسا في الدور نصف النهائي، قبل أن تواجه الأرجنتين في مباراة جمعت بين مدرستين كرويتين وتاريخين مختلفين.

ولم يقتصر تميّز مونديال 2026 على الأرقام والملاعب، بل كان أيضاً واحداً من أكثر النسخ اتساعاً من الناحيتين الجغرافية والتنظيمية، فضلاً عن حضوره الإعلامي غير المسبوق. فقد استضافت ثلاث دول البطولة في 16 مدينة، وامتدت المنافسات على مدى أكثر من شهر، ليكون النهائي في ملعب «نيويورك نيوجيرسي» تتويجاً لمسار استثنائي.

وتبقى الأرقام الأهم خارج الملاعب؛ إذ تحوّل المونديال إلى منظومة إعلامية واقتصادية وثقافية هائلة، تابعها جمهور عالمي واسع من محبي كرة القدم. وقد تطورت كأس العالم من بطولة تُقام على عدد محدود من الملاعب، وتصل أخبارها إلى الجمهور عبر الصحف والإذاعات، إلى حدث عالمي يُنقل مباشرة إلى مختلف القارات، وتدخل في تفاصيله تقنيات تحليل البيانات، وتقنية حكم الفيديو المساعد «VAR»، والأنظمة الرقمية الحديثة.

ولم يكن هذا التوسع رياضياً وجغرافياً فحسب، بل حمل معه قفزة مالية غير مسبوقة؛ إذ تحوّل مونديال 2026 إلى واحد من أضخم المشاريع الرياضية والاقتصادية في تاريخ كرة القدم. ومع ارتفاع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً، وزيادة عدد المباريات إلى 104 مباريات، واتساع رقعة البطولة لتُقام في ثلاث دول و16 مدينة، ازدادت قيمة حقوق البث والرعاية والتذاكر والضيافة التجارية، لتصبح كأس العالم منظومة اقتصادية تتجاوز حدود الملاعب والنتائج.

وتشير تقديرات مرتبطة بالاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن الإيرادات المتصلة بمونديال 2026 بلغت مستويات تقترب من تسعة مليارات دولار، في مؤشر واضح إلى التحول المالي الضخم الذي رافق توسيع البطولة. ومع ذلك، يبقى من الأدق صحافياً وصف هذا الرقم بأنه «تقديري» إلى حين صدور التقرير المالي النهائي والمدقَّق الخاص بالبطولة.

وهكذا، لم يعد المونديال مجرد مسابقة لتحديد بطل العالم، بل أصبح حدثاً اقتصادياً عالمياً يعيد توزيع مليارات الدولارات بين الاتحاد الدولي والمنتخبات والاتحادات الوطنية والدول المضيفة والشركات العالمية. فكل مباراة إضافية تعني ساعات بث جديدة، وكل منتخب جديد يفتح سوقاً جماهيرية جديدة، وكل مدينة مضيفة تتحول إلى منصة لاستقطاب السياحة والاستثمار والرعاية.

ومن هذه الزاوية، لم يكن قرار الانتقال من 32 إلى 48 منتخباً مجرد توسع رياضي، بل كان أيضاً انتقالاً إلى نموذج اقتصادي أكبر، جعل من مونديال 2026 النسخة الأوسع في تاريخ البطولة على المستويين الرياضي والاقتصادي.

وتكمن عظمة كأس العالم في أنها لم تبقَ على حالها، بل تطورت مع تطور العالم. ففي عام 1930، كانت البطولة حلماً طموحاً لرجل آمن بأن كرة القدم قادرة على جمع الشعوب، وبعد 96 عاماً أصبحت حدثاً عالمياً يتابعه جمهور يمتد عبر مختلف أنحاء الأرض، وتتنافس على تغطية أحداثه كبرى المؤسسات التجارية والإعلامية، وتُستخدم فيه أحدث التقنيات في مجالات التحكيم والتحليل والبث.

ومع أن كرة القدم تغيّرت، وتطورت الملاعب، وتبدّلت قوانين اللعبة، وتضاعفت الجوائز المالية، بقيت الفكرة الأساسية التي آمن بها جول ريميه حاضرة: أن تلتقي منتخبات العالم في بطولة واحدة، وأن يجتمع المتنافسون والجماهير حول شغف واحد.

وأثبت مونديال 2026 أن قرار توسيع البطولة منح منتخبات جديدة فرصة الظهور، ووسّع الخريطة الجغرافية للمنافسة، وأدخل كأس العالم في مرحلة تنظيمية ورياضية جديدة. لكن البطولة أثبتت أيضاً حقيقة أكثر قسوة في كرة القدم، وهي أنه مهما اتسعت دائرة المنافسة، وتعددت المنتخبات وكثرت القصص، فإن الذاكرة لا تحفظ في النهاية إلا اسماً واحداً.

وفي نيوجيرسي، رفعت إسبانيا الكأس، ليفتح مونديال 2026 الباب أمام سؤال جديد يتعلق بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه كأس العالم مستقبلاً. فربما تتغير الصيغة، وتتطور التكنولوجيا، وتصبح كرة القدم أكثر سرعة وتعقيداً، لكن التاريخ سيحفظ دائماً اسم مَن انتصر في النهاية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.