في زمنٍ صار فيه تبديل المواقف حرفةً يتقنها كثيرون، وأصبح فيه “اتجاه الريح” بوصلةً أوثق من القناعة، يبقى لبعض الأصوات معنى مختلف: أن تدافع عن جامعتك التي تعلمت فيها، وعلّمت في قاعاتها، وتختار الموقف الذي يمليه الضمير والقناعة، لا المصلحة أو الحسابات الآنية.
في قضية تعديل قانون رئاسة الجامعة اللبنانية، اتخذت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين، برئاسة الدكتور يحيا الربيع، موقفًا لم يتزحزح، عبّرت فيه باسم الأساتذة عن قناعة راسخة بأن احترام تداول المسؤولية واستقلالية الجامعة ليسا شعارين يُرفعان عند الحاجة، بل حجر الأساس الذي لا يقوم أي إصلاح حقيقي من دونه. وإلى جانبها، لم يكن الأساتذة المستقلون بعيدين عن هذا الموقف النقابي، بل شكّلوا صوتًا مواكبًا وأصيلًا في الدفاع عن استقلالية الجامعة والحوكمة الرشيدة، مؤكدين أن رفض هذا التعديل لم يكن يومًا موقفًا فئويًا أو محسوبًا على جهة، بل قناعةً التقى عندها كل من أراد للجامعة اللبنانية أن تبقى محكومة بالقانون لا بالولاءات.
قد يختلف البعض مع هذا الموقف، وهذا حق مشروع لا ننازع فيه أحدًا. لكن ما لا يحتمل الجدل هو أن الرابطة لم تصمت، ولم تختبئ خلف تسويات مريحة، ولم تنتظر لترى إلى أين تميل الكفة. لقد تحملت مسؤوليتها النقابية والأكاديمية كاملة، ودافعت عن فلسفة القانون رقم 66، وعن مبدأ تداول المسؤولية، وعن استقلالية الجامعة اللبنانية بوصفها خطًا أحمر لا يقبل المساومة.
لقد أثبتت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين أنها دافعت عن مؤسسة لا عن أشخاص، وعن مبدأ لا عن مصلحة، وسيبقى هذا الموقف، مهما تبدلت النتائج، شاهدًا على أن في الجامعة اللبنانية من لا يزال يؤمن بأن حماية المؤسسة تبدأ من احترام قانونها.
واليوم، وبعد إقرار المجلس النيابي لهذا التعديل، نجد أن اضطرار أصحاب القرار إلى تقييد نفاذه بشرطٍ لم يكن واردًا في الصيغة الأولى، لا يمكن فصله عن الضغط الذي مارسته الرابطة، والذي وجد صداه لدى عدد من النواب المشرّعين. وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن الصوت الذي يُرفع بثبات، قادر على فرض معادلات لم تكن في الحسبان.
وبالتالي، ننتظر تشكيل مجلس جامعة، يمارس صلاحياته كاملة، ويشارك في صنع القرار، ويتحمل المسؤولية، ويعيد الحياة إلى المؤسسة بعيدًا عن الإدارة الأحادية. وننتظر أيضًا تفعيل المجالس الأكاديمية، وإطلاق ورشة إصلاح حقيقية، وإقرار ملف تفرغ المتعاقدين، ووقف التعاقد العشوائي، وترسيخ الشفافية، واحترام الكفاءة وتكافؤ الفرص، وإنهاء الاستنسابية، وتحسين أوضاع الأساتذة والموظفين والطلاب. فهذه الإنجازات، لا الخطابات، هي وحدها المعيار الذي سيحكم به الجميع على هذا الخيار.
أما نحن، فسنبقى على العهد الذي انطلقنا منه. سنساند كل خطوة ترتقي بالجامعة اللبنانية، وسنكون أول المطالبين بتصحيح أي خلل يمسها، لأن موقفنا لم يكن يومًا ضد أشخاص، بل كان وسيبقى مع الجامعة ورسالتها. جامعتنا التي فتحت أبواب العلم أمام أبناء الوطن من جميع الفئات والمناطق، وبقيت، رغم كل الأزمات، مساحةً يلتقي فيها اللبنانيون على المعرفة.
ستبقى الجامعة اللبنانية أكبر من الأشخاص، وأبقى من الولايات، وأسمى من الحسابات الضيقة. وستظل، بالنسبة إلينا، قضية وطنية ورسالة علمية قبل أن تكون موقعًا إداريًا. وسنبقى من الحريصين على هذه المؤسسة، مؤمنين بأن مستقبل لبنان يبدأ من جامعة وطنية قوية، حرة، تحكمها الكفاءة وسيادة القانون، وتبقى منارةً للعلم والفكر، ومصدر فخر لكل من انتمى إليها طالبًا أو أستاذًا أو خريجًا.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
