يستعرض فرومان، في المقابلة المعمّقة مع ماكغواير، أحدث تطورات المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي، وما يرتبط بها من قضايا تقنية وأمنية واقتصادية وتنظيمية.
تبدأ المقابلة بمناقشة نموذج Kimi K3، الذي أطلقته شركة Moonshot AI الصينية وأتاحت أوزانه للعموم. وبحسب ماكغواير، يُرجّح أن يكون هذا النموذج الأكثر قدرة بين النماذج الصينية، وأحد أفضل نماذج الأوزان المفتوحة المتاحة. وتقول الشركة المطوّرة إن أداءه يقارب أداء أبرز النماذج الأميركية، غير أن تقييمًا حكوميًا أميركيًا–بريطانيًا يرى أنه لا يزال متأخرًا بنحو ستة أشهر عن النماذج الأميركية في القدرات السيبرانية.
يشير ماكغواير إلى اتهامات أميركية مفادها أن الشركة الصينية بلغت هذا المستوى باستخدام شرائح أميركية محظورة موجودة في تايلاند، إضافة إلى بيانات يُزعم أنها جُمعت بصورة غير مشروعة من مختبرات أميركية متقدمة، من خلال ما يُعرف بـ«هجمات التقطير».
وعلى الرغم من إمكان تنزيل النموذج مجانًا، فإن تشغيله ليس منخفض التكلفة؛ فحجمه الكبير يمنع تشغيله بكفاءة على الحواسيب الشخصية التقليدية، ويجعله محتاجًا إلى شرائح متخصصة مستضافة على منصات سحابية، يأتي معظمها من شركات أميركية. كما تفرض Moonshot رسومًا مقدارها ثلاثة دولارات لكل مليون وحدة رمزية عند استخدام النموذج عبر منصتها، وهي كلفة تتجاوز بعض إصدارات النماذج الرئيسية التابعة لشركتي OpenAI وAnthropic.
ويرى ماكغواير أن النموذج يثبت استمرار التفوق الأميركي، لكنه يكشف، في الوقت نفسه، أن الصين لا تتراجع أكثر، بل تستخدم الوسائل المتاحة للمحافظة على فارق زمني يراوح بين ستة وثمانية أشهر. والمفارقة أن بقاء الصين في هذا الموقع يجعلها أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الأميركية، لا أقل اعتمادًا عليها.
هجمات التقطير والملكية الفكرية
يشرح ماكغواير أن هجمات التقطير تقوم على توجيه مئات الآلاف أو ملايين الاستفسارات إلى نموذج مستهدف، ثم استخدام الإجابات الناتجة لتدريب نموذج تابع لشركة أخرى. ويتيح ذلك اختصار جزء مهم من عملية التدريب المكلفة والمعقدة، من دون تحمل النفقات الأصلية كاملة.
تستخدم المختبرات الأميركية التقطير لتطوير نسخ أصغر من نماذجها الخاصة، لكنها لا تلجأ إلى نماذج منافسيها لهذا الغرض، لأن ذلك يخالف شروط الخدمة. وفي المقابل، اتهمت المختبرات الأميركية الرائدة والبيت الأبيض شركات صينية بتنفيذ هذه العمليات على نطاق واسع. ويستشهد ماكغواير، في هذا السياق، بحالات عرّف فيها Kimi K3 نفسه على أنه نموذج Claude، فضلًا عن أوجه التشابه اللغوية بين النموذجين، باعتبارها مؤشرات محتملة إلى وقوع عملية تقطير.
لا تقتصر المخاوف، بحسب المقابلة، على تقدم الشركات الصينية بوسائل غير مشروعة؛ إذ قد تتردد الشركات الأميركية مستقبلًا في إنفاق مليارات الدولارات على تدريب نماذج حدودية إذا كان بإمكان المنافسين محاكاة جزء كبير منها بتكلفة محدودة.
مع ذلك، لا يسمح التقطير باستنساخ عملية التدريب كلها. وقد لا تتمكن الولايات المتحدة من منعه كليًا، لكنها تستطيع زيادة كلفته والحد من الفائدة الناتجة منه، عبر تقييد وصول الشركات الصينية إلى القدرة الحاسوبية الأميركية اللازمة لاستكمال المراحل التي لا يمكن تقطيرها، وكذلك لمنع تقديم النماذج الصينية على نطاق عالمي.
الجدل حول نماذج الأوزان المفتوحة
وقّعت خمس وعشرون شركة، منها Nvidia وMicrosoft وMeta وOpenAI وGoogle، رسالة تدعو الحكومة الأميركية إلى عدم فرض قيود مبكرة على النماذج مفتوحة الأوزان؛ لأن القيود قد تدفع الابتكار إلى الخارج وتمنح الصين أفضلية تنافسية. من ناحيتها، لم تنضم Anthropic إلى الرسالة، رغم تأكيد رئيسها التنفيذي لاحقًا أن الشركة لم تطالب بحظر هذه النماذج.
تسمح نماذج الأوزان المفتوحة للمستخدم بتنزيل النموذج وتخصيصه من خلال الضبط الدقيق، وأحيانًا تشغيله محليًا إذا توافرت الأجهزة اللازمة. وهذه المرونة إنما تجعلها جذابة وتساعد على خفض الكلفة، لكنها تتيح أيضًا إزالة ضوابط السلامة التي تمنع النموذج من تنفيذ أنشطة خطرة.
وتزداد هذه المخاطر كلما أصبحت النماذج أكثر قدرة، ولا سيما إذا بلغت مستوى يمكنها فيه تنفيذ عمليات اختراق إلكتروني بصورة مستقلة. ومع ذلك، لا توجد، وفق ماكغواير، دعوات جدية في واشنطن إلى حظر جميع النماذج المفتوحة؛ إذ يتركز النقاش أساسًا على النماذج الصينية التي يصادف أن كثيرًا منها مفتوح الأوزان.
احتمال تقييد النماذج الصينية
يرى ماكغواير أن مصدر القلق الأميركي ليس انفتاح أوزان النماذج الصينية، بل منشأها الصيني وما قد يترتب عليه من مخاطر أمنية. ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة رئيسية في كتابة البرمجيات، يصبح اعتماد الشركات الأميركية على نماذج صينية في تطوير برامج السيارات والروبوتات وأجهزة الاتصال مسألة حساسة.
ويستشهد بوجود مؤشرات إلى أن بعض النماذج الصينية قد تدرج ثغرات في الشيفرة عندما تعتقد أنها تعمل لصالح جهات حكومية أميركية. وحتى إذا أمكن تعديل هذا السلوك نظريًا، فمن الصعب التأكد من نجاح التعديل بمجرد فحص أوزان النموذج.
لا يعني الحظر المقترح، وفق المقابلة، معاقبة الأفراد الذين ينزّلون نموذجًا صينيًا، بل منع الشركات من إجراء معاملات مرتبطة به. ويقترح ماكغواير منع الشركات الأميركية من التعامل مع واجهات الشركات الصينية، وحظر استضافة النماذج الصينية على السحابة الأميركية، وفرض ضوابط تمنع استخدام الشرائح الأميركية في تشغيلها عالميًا. وستشمل هذه القيود النماذج الصينية المفتوحة والمغلقة، من دون أن تشمل النماذج الأميركية المفتوحة.
السلامة ومستقبل المنافسة
يؤكد ماكغواير أن تطور الذكاء الاصطناعي أسرع مما يدركه معظم الناس، وأن النماذج المتقدمة أصبحت قادرة على تنفيذ عمليات سيبرانية معقدة بصورة مستقلة. ولذلك يرى أن وضع قواعد محلية ودولية لضمان سلامة الأنظمة المتقدمة أصبح أولوية عاجلة، بدل انتظار حادثة إلكترونية واسعة النطاق.
غير أن المنافسة مع الصين تعقّد التنظيم الأميركي؛ ففرض قيود صارمة على الشركات الأميركية قد يقلص تفوقها، بينما يدفع اقتراب الصين من الصدارة بكين إلى تجاوز بعض معايير السلامة. ويرى ماكغواير أن توسيع الفارق عبر إلزام الصين بالاعتماد على تقنياتها المحلية سيمنح واشنطن وقتًا لتطوير تنظيمات ذكية لا تعرقل الابتكار.
وفي توقعاته للعام المقبل، يرجّح اتساع التفوق الأميركي، وعدم حظر النماذج الأميركية المفتوحة، مع إخضاعها لقواعد سلامة مماثلة للنماذج المغلقة قبل إطلاقها. كما يتوقع تقييد النماذج الصينية ومنع استضافتها سحابيًا في الولايات المتحدة، ووقوع هجوم أو حادث سيبراني خطير مدفوع بالذكاء الاصطناعي، واستمرار قدرات هذه التكنولوجيا في التحسن بوتيرة أسرع بكثير مما يتوقعه معظم الناس.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
