في الثامن والعشرين من حزيران 2026، نُشرت على موقع «بيروت 2030» مقالتي بعنوان: «الاتفاق الإطاري الثلاثي: قراءة مبدئية مقتضبة»، وقد تناولت فيها نشأة الاتفاق وجوهره، بدءًا من إبعاد الوفد العسكري اللبناني عن جلسة المفاوضات النهائية في واشنطن، مرورًا بتجاهل القرار 1701 واستبدال الإشراف الأميركي به، وصولًا إلى شرعنة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب وإطالة أمده، والقضاء على ما تبقّى من سيادة لبنان.
أما مقال اليوم، فيقدّم قراءة معمّقة وشاملة لمسار الاتفاق، بدءًا بنبذة سريعة عن نشأته، مرورًا بواقع التنفيذ، ووصولًا إلى مفاوضات روما الأخيرة، مع التوقف عند مختلف العقبات الجوهرية والانعكاسات الإقليمية، وختامًا باستشراف مصيره المحتمل.
نشأة الاتفاق وجوهره
في 26 حزيران 2026، وبعد خمس جولات تفاوضية في واشنطن، وقّع لبنان مع العدو الإسرائيلي «اتفاقًا إطاريًا ثلاثيًا» برعاية أميركية. ويهدف هذا الاتفاق إلى إنهاء حالة الحرب تدريجيًا، من خلال مسار من الخطوات المتبادلة. كما يتضمن الاعتراف المتبادل بحق كل طرف في العيش بسلام، وانسحاب جيش العدو الإسرائيلي تدريجيًا من الأراضي اللبنانية، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وفي مقدمتها «حزب الله».
واقع التنفيذ: خطوات أولى وخروقات
لا يزال التنفيذ الفعلي محدودًا جدًا ومثقلًا بالخلافات:
- ما تم تنفيذه: تشكيل «مجموعة التنسيق العسكرية الثلاثية» لتولّي مهام إدارة النزاعات والإشراف، والاتفاق على منطقتين تجريبيتين: زوطر الغربية، وصريفا وفرون. وفي تموز 2026، انسحب جيش العدو الإسرائيلي من أطراف زوطر الغربية فقط؛ إذ إن منطقتي صريفا وفرون لم تكونا تحت الاحتلال، وفق اعتراف حكومة الكيان الإسرائيلي، وهذا بحد ذاته يشكّل مراوغة وتأويلًا لبنود الاتفاق. وانتشر الجيش اللبناني في تلك المناطق، وسمح للسكان بالعودة إليها.
- خروقات العدو الإسرائيلي: استمرار العمليات العسكرية والغارات والقصف. ففي نهاية تموز 2026، رصدت «اليونيفيل» 80 انتهاكًا ارتكبها العدو الإسرائيلي للمجال الجوي اللبناني خلال ثلاثة أيام فقط، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية العدائية على الأرض، وآخرها الغارات على المنصوري، رغم الاتفاق الإطاري. وقد أسفرت الاعتداءات، منذ مطلع آذار 2026 وحتى اليوم، عن استشهاد 4,330 مواطنًا لبنانيًا وإصابة أكثر من 12,240 آخرين، وفقًا لتقارير وزارة الصحة اللبنانية.
- الخروقات اللبنانية: إعلان الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، رفضه الاتفاق، ووصفه بأنه «مذلّة وعار»، واعتباره أن الحكومة اللبنانية «تشرعن بقاء جيش الاحتلال الإسرائيلي لسنوات»، فضلًا عن ربط مصير وقف إطلاق النار بالتفاهم بين واشنطن وطهران.
مفاوضات روما: مسار من «التفاؤل الحذر» إلى «طريق مسدود»
شكّلت جولتا المفاوضات في روما محورًا رئيسيًا للجهود التفاوضية، إلا أن الجولة الأخيرة، التي عُقدت بين 4 و6 آب 2026، كشفت عمق الهوّة بين الطرفين:
- جولة روما الأولى، وهي الجولة السادسة من مفاوضات الاتفاق، في منتصف تموز 2026: أسفرت عن اختراق محدود تمثّل في الاتفاق على منطقتين تجريبيتين، وسط أجواء من التفاؤل الحذر. غير أن الخلافات الجوهرية بشأن جدول الانسحاب وآليات التحقق بقيت معلّقة.
- جولة روما الثانية، وهي الجولة السابعة من مفاوضات الاتفاق، بين 4 و6 آب 2026: انتهت من دون نتائج ملموسة، رغم انعقادها على ثلاثة مسارات: سياسي، وعسكري، وقانوني-حدودي. وقد شهدت هذه الجولة تطورًا لافتًا تمثّل في تراجع العدو الإسرائيلي عن شرط نزع سلاح «حزب الله» قبل مناقشة الحدود، إذ تحوّل النقاش نحو استعادة الحدود المرسّمة دوليًا عام 1923. ومع ذلك، بقيت المحادثات عالقة في تفاصيل تنفيذية:
- المناطق التجريبية: اقترح الوفد اللبناني توسيعها لتشمل بنت جبيل والخيام، غير أن وفد العدو الإسرائيلي رفض الطرح، واقترح زوطر الشرقية بدلًا منهما، لتنتهي الجولة من دون اتفاق.
- وقف إطلاق النار: لم يتلقَّ الوفد اللبناني أي أجوبة من المستوى السياسي لدى العدو الإسرائيلي بشأن الالتزام به.
- آلية التحقق: لم يتم الاتفاق على طرف ثالث يتولى الإشراف على التنفيذ، مع استبعاد الولايات المتحدة وطرح إيطاليا خيارًا محتملًا.
- المعتقلون والمفقودون: برز هذا الملف في ظل غياب قائمة رسمية شاملة لدى الجانب اللبناني، وسط مطالبة بتمييز المدنيين عن عناصر «حزب الله».
العقد الجوهرية التي تهدد الاتفاق
- المناطق التجريبية: ثمة خلاف جوهري بشأن تحديدها وتوسيعها ووتيرة العمل فيها.
- نزع سلاح «حزب الله»: يمثّل الشرط الأساسي الذي يضعه العدو الإسرائيلي لأي انسحاب، إلا أن تحقيقه ميدانيًا يبدو مستحيلًا في المدى المنظور، ولا سيما في ظل رفض الحزب القاطع.
- اختلال توازن القوى: يُنظر إلى الاتفاق على أنه غير متكافئ، إذ يفرض على لبنان التزامات مسبقة، من دون منحه جدولًا زمنيًا ملزمًا للانسحاب الإسرائيلي أو ضمانات فعلية لوقف إطلاق النار.
- الارتباط الإقليمي: يبقى مصير الاتفاق مرهونًا بالتفاهم الأميركي-الإيراني. ومع التصعيد الأخير في مضيق هرمز، يربط «حزب الله» وقف إطلاق النار في لبنان بهذا الملف، ما يجعل الاتفاق عرضة للانهيار عند أي هزّة إقليمية.
السيناريوهات المحتملة
أولًا: سيناريو الإبقاء على الاتفاق حيًا، وهو الاحتمال الأضعف
- قد تتوصل الأطراف، في جولات لاحقة، إلى هامش ضئيل من التوافق، من خلال صفقة لتبادل الأسرى أو هدنة إنسانية، بما يُبقي الاتفاق قائمًا «على الورق»، ولكن من دون كسر الجمود الجوهري.
- قد تحاول واشنطن ممارسة ضغوط لإحراز تقدّم في ملفات هامشية، بهدف الحفاظ على زخم التفاوض، ولكن من دون معالجة العقد الأساسية.
- قد يمهّد نجاح «المنطقة التجريبية» في زوطر الغربية لتوسيع نطاقها، إلا أن التصعيد المتزامن يلقي بظلال ثقيلة على هذا الاحتمال.
ثانيًا: سيناريو الانهيار، وهو الاحتمال الأكبر
- قد يؤدي أي حادث كبير، مثل سقوط خسائر بشرية فادحة، أو صدور رد قوي عن «حزب الله»، أو وقوع تصعيد إقليمي حاد، إلى تفجير المسار الدبلوماسي بالكامل.
- إن استمرار التصعيد العسكري من جانب العدو الإسرائيلي، إلى جانب رفض «حزب الله» القاطع، يجعلان البيئة غير مهيّأة لتنفيذ الاتفاق.
- تعكس تصريحات رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، بأن الاتفاق «لن يمر ولن يُنفَّذ بشكله الحالي»، رفضًا سياسيًا داخليًا عميقًا.
ختامًا
بعد مرور ستة أسابيع على توقيعه، لا يزال «اتفاق الإطار الثلاثي» مجرد «حبر على ورق»، وهشًا للغاية؛ إذ اقتصر التنفيذ الفعلي على انسحاب محدود من منطقة تجريبية واحدة، في مقابل استمرار التصعيد العسكري من جانب العدو الإسرائيلي، والرفض القاطع من «حزب الله». أما مفاوضات روما، فعلى الرغم من بعض التحركات التكتيكية التي شهدتها، فإنها لم تنجح في معالجة العقد الجوهرية التي تهدد وجود الاتفاق من أساسه.
وما لم يطرأ تغيير جذري في الإرادة السياسية لدى أحد الأطراف، أو تأتِ ضغوط خارجية قاهرة خلال الأسابيع المقبلة، فإن هذا المسار مرشّح بقوة لأن يلفظ أنفاسه الأخيرة في خضم مزيد من الدماء والاشتباكات، تاركًا لبنان والعدو الإسرائيلي أمام خيارات أكثر قسوة.
إن إصرار رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية على اعتماد المسار التفاوضي بوصفه خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد مسار تكتيكي، لا ينمّ عن ضعف أو انبطاح، بل يقوم على قناعتهما بأن استمرار الحرب سيكون أكثر كلفة على لبنان من مواصلة التفاوض، مهما كانت العقبات. ولكن، في ظل التعنت والمراوغة المعهودين من جانب العدو الإسرائيلي، تُطرح الأسئلة الآتية: هل بهذه الطريقة تُستعاد سيادة الدولة؟ وهل هذه هي الفرصة الوحيدة لإعادة تعريف دور الدولة؟ وهل هذا هو المسار الذي سيكسب لبنان دعمًا دوليًا؟

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
- راجي معرّاوي#molongui-disabled-link
