العفو العام… ومَن يمسح دموع أهالي شهداء القوى الأمنية؟

إلى الحكومة اللبنانية، وإلى كل مَن حمل قلمًا ليشرّع، وإلى كل مَن جلس تحت قبة البرلمان وصوّت باسم الناس:

نحن مع العفو عندما يكون له معنى إنساني، ومع إنصاف المظلوم عندما يكون هناك مظلوم. نحن مع فتح أبواب السجون أمام مَن طال توقيفه ظلمًا، ومع معالجة الملفات التي تأخرت فيها العدالة.

لكن هناك خطًا أحمر لا يجوز للبنان أن يتجاوزه: دماء شهداء الجيش والقوى الأمنية.

أيّ عفو هذا، إذا كان من الممكن أن يُفهَم منه أن مَن اعتدى على الدولة أو حمل السلاح في وجه رجالها يستطيع الاستفادة من تخفيضات أو تسويات؟

وماذا نقول لأمّ شهيد تنام منذ سنوات ودمعة على ابنها في عينيها؟ ماذا نقول لأبٍ ما زال ينتظر أن يعرف لماذا قُتل ابنه؟ ماذا نقول لزوجة فقدت سندها، ولأطفال كبروا من دون أب، لأن رجلًا من رجال الأمن أو الجيش دفع حياته ثمنًا لأداء واجبه؟

مَن يمسح دموع هؤلاء؟

يا دولة لبنان، لا يمكن أن تكون العدالة انتقائية. لا يمكن أن نطلب من العسكري أن يقف في وجه الخطر، وأن يحمي الناس والمؤسسات، ثم نقول لعائلته عندما يسقط شهيدًا: اصبروا، فهناك قانون عفو!

العفو ليس نسيانًا. والرحمة ليست إلغاءً للعدالة. والمصالحة الوطنية لا تعني أبدًا أن يصبح دم الشهيد تفصيلًا في صفقة سياسية.

نحن لا نريد الانتقام من أحد، ولا نريد ظلم أحد. نريد فقط أن يعرف كل مَن يفكر في الاعتداء على الجيش والقوى الأمنية أن الدولة ليست ضعيفة، وأن دماء رجالها ليست رخيصة.

هل أصبح القتل حلالًا في لبنان؟ لا، وألف لا.

ومَن يقتل عسكريًا أو رجل أمن في أثناء قيامه بواجبه لا يقتل شخصًا فحسب؛ بل يعتدي على الدولة، وعلى القانون، وعلى هيبة المؤسسات التي يُفترض أن تحمي الجميع.

أيها المسؤولون، تذكّروا أن وراء كل شهيد عائلة كاملة دفعت الثمن. لا تجعلوا هذه العائلات تشعر بأن الدولة نسيتها بعدما قدّمت أبناءها شهداء من أجلها.

يمكن للعفو أن يكون بابًا للرحمة، لكن لا يجوز أن يكون بابًا للإفلات من العقاب.

وإذا كان القانون الذي أُقرّ يستثني، بالفعل، جرائم القتل العمد والقصد المرتكبة بحق العسكريين وعناصر قوى الأمن، فعلى الدولة أن تكون واضحة وصريحة في تطبيق هذا الاستثناء، وألا تترك أي ثغرة أو مجال لتفسير ملتبس يسمح بتحويل دماء الشهداء إلى مادة للمساومات.

إلى الحكومة اللبنانية نقول:

احموا هيبة الدولة قبل أن تطلبوا من المواطن احترامها. احموا دماء شهدائنا قبل أن تطلبوا من أبنائنا حمل السلاح دفاعًا عن الوطن. وانظروا في عيون أمهات الشهداء قبل أن تنظروا في أوراق أي قانون.

فالشهيد لا يستطيع أن يدافع عن حقه…

لكن أهله يستطيعون أن يسألوا: لماذا قتلتم ابننا؟ ومَن يحاسب قاتله؟ ومَن يمسح دموعنا؟

لبنان الذي نريده دولة عدل، لا دولة تسويات. دولة تحمي المظلوم، لا دولة تنسى الشهيد.

دم العسكري ليس رخيصًا… ودم رجل الأمن ليس مباحًا… ودم الشهيد ليس ورقة في يد السياسة.

مقالات الكاتب

جورج الزغبي

ناشط إعلامي