لماذا امتنع الحوثيون عن الانخراط في الحرب؟

ألقى زعيم الحوثيين في اليمن عبد الملك الحوثي خطابًا في الثاني من آذار عقب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وقد أدان اغتيال الزعيم الإيراني علي خامنئي، ودعا الإيرانيين إلى الصمود، إلا أنه لم يتعهد بالانخراط في الحرب إلى جانب طهران.

وتشير صحيفة «نيو عرب»  إلى أن المتمردين اليمنيين المرتبطين بإيران ارتباطًا وثيقًا يتصرفون حاليًا بحذر. ويرى محللون أن الحوثيين يخشون تكرار أخطاء الماضي؛ فخلال عامين من الهجمات على إسرائيل والسفن في البحر الأحمر فقدوا عددًا من قادتهم وتعرضت بنيتهم التحتية لأضرار جسيمة.

وتضيف الصحيفة أن اقتصاد المناطق الخاضعة لسيطرتهم يعاني أزمة حادة. فمنذ عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على صنعاء، يواجهون صعوبات في دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو مليون شخص في العاصمة وحدها يتلقون مدفوعات حكومية، وكثير منهم يعيشون مثقلين بالديون. وبعد أن أعادت الولايات المتحدة تصنيف الحوثيين منظمةً إرهابية، قلّص المانحون مساعداتهم، مما زاد الضغط على السكان.

ويحذر خبراء من أنه إذا أعلن الحوثيون دعمهم لإيران بشكل علني، فقد تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة جديدة ضدهم. وفي حال تعرض البلاد لضربة خارجية قد يتصاعد السخط الداخلي. كما قد تحاول القوات الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا استعادة السيطرة على صنعاء، إذا حصلت على موافقة المملكة العربية السعودية.

وفي الوقت نفسه، فيما بدأت إيران بالفعل في استخدام حلفائها في المنطقة؛ فتح حزب الله معركة الجنوب، بينما استهدفت قوات موالية لإيران في العراق القاعدةً الأمريكية في أربيل. وتشير الصحيفة إلى أن طهران قد تطلب الدعم من الحوثيين أيضًا.

ويرى محللون أنه في حال تلقي مثل هذا الطلب فمن المرجح أن يستجيب الحوثيون، لكن ضمن صيغة محدودة. فقد يشنون ضربات على إسرائيل أو على السفن في البحر الأحمر، غير أنهم سيحاولون تجنب استهداف دول الخليج. فالهجوم على السعودية قد ينسف الهدنة الهشة ويحرمهم من العائدات المرتبطة بالاتفاقات النفطية.

وفي الوقت الراهن، يحاول الحوثيون الموازنة بين الولاء لإيران وغريزة الحفاظ على الذات. وتخلص الصحيفة إلى أن الخطوات المقبلة للحركة ستعتمد على مدى انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة واسعة النطاق.

موقف الحوثيين في اليمن من الهجمات على إيران

حتى الآن فإنه وعلى الرغم من الهجمات المباشرة على إحدى دول «محور المقاومة»، فإن أحد أبرز أطراف هذا المحور، وهو الحركة اليمنية «أنصار الله» (الحوثيون)، لا ينظر في الوقت الراهن إلى إمكانية التدخل العسكري المباشر في النزاع. ويبدو أن القيادة في صنعاء تتابع عن كثب تطورات الأحداث، نظرًا لأن الحرب لا تستهدف إيران وحدها، بل تستهدف كذلك كامل “محور المقاومة”، وبالتالي من الواضح أنه حتى الآن لا توجد نية للتدخل، ويكتفي اليمن بالدعم الشعبي والإعلامي والمعنوي، في ظل قدرة إيران على مواجهة الضغوط بمفردها”. فيما تشير المصادر الحوثية إلى أن أي رد سيكون ممكنًا في حال تعرض الأراضي اليمنية لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

بهذا المعنى فإن مسألة التدخل العسكري المباشر للحوثيين في العمليات القتالية الجارية ما تزال موضع تقييم من قبل قيادة الحركة.

هل باع الحوثي إيران؟ ولماذا قد يبيع الحوثي إيران؟ وما الثمن الذي يبحث عنه الحوثي؟ هل الجنوب هو الثمن ضمن صفقة محتملة مع السعودية؟

هذه الأسئلة طرحها الزميل الخبير في الشؤون اليمنية الدكتور علي قائد – زميل الدراسة في جامعة الصحافة في مينسك على حسابه في الفايسبوك، حيث أشار إلى أنه ربما يريد الحوثي مقايضة الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار معادلة تقوم على بيع إيران مقابل موافقة واشنطن وتل أبيب على توليف صفقة مع السعودية

ورأى أنه فجأة اختفت الخطب النارية للحوثي، الذي كان يملأ الدنيا صخبًا وتهديدًا ووعيدًا بإغراق السفن والأساطيل. واختفى يحيى سريع، الذي أصبح نجم المواجهة الإعلامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو يردد على مسامعنا الآية القرآنية من سورة محمد: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.

في المقابل لفت إلى أنه ومع اندلاع ما يُوصف بـ«أم المعارك» بالنسبة لحلفائه في إيران، الذين صنعوه واستثمروا فيه، خفت صوت الحوثي فجأة. اختفت البيانات النارية، وغابت التهديدات، وتلاشى استعراض الصواريخ. ولطالما توعد الحوثي بإشعال البحار، لكننا نراه اليوم يفضل الصمت، وكأن ما يحدث لإيران لا يعنيه. بل إن زعيم الحوثيين ظهر، في ما يُعرف بالمحاضرات الرمضانية، مشيدًا بحزب الله وبالقوى العراقية الموالية لإيران. أما عن تحرك الحوثي، فقال حرفيًا:“أيدينا على الزناد في أي لحظة تقتضي الضرورة، وهذه المعركة معركة الأمة بأسرها”.

ويستنتج قائد أن زعيم الحوثيين ينتظر تطورات الأحداث. على الرغم من أن إيران تتعرض لضربات موجعة، والحوثي كان قد وعد بإغلاق مضيق باب المندب، أو على الأقل تهديد الملاحة فيه، ليشكل ورقة ضغط اقتصادية إلى جانب مضيق هرمز. لكن الحوثي اختار الصمت، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة: هل يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية على حساب هذا الصراع؟

ويعتقد علي قائد أنه لربما يسعى الحوثي إلى تحقيق عدة أهداف من خلال هذا الموقف الحذر:

  1. الالتزام بتفاهمات محتملة مع السعودية تتعلق بترتيبات الوضع في اليمن، وربما بملف الجنوب تحديدًا، في إطار تسويات سياسية أوسع.
  2. محاولة تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بما قد يفتح الباب أمام تفاهمات أو تهدئة مع القوى الدولية والإقليمية.
  3. الوضع الاقتصادي الصعب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ إذ تعاني تلك المناطق من أزمة اقتصادية حادة، وقد يؤدي الانخراط في حرب واسعة إلى تفاقم الأوضاع الداخلية وربما إثارة احتجاجات شعبية.

الجذور الفكرية للحركة: الزيدية والكفاح من أجل الكرامة

هذه التساؤلات المشروع ورغم أحقيتها، لا تنفي احتمال أن يعلن الحوثي مشاركته، لأسباب شتى، ومنها، أن الحوثيون ليسوا جماعة طارئة على اليمن. فقد نشأت حركتهم في تسعينيات القرن العشرين ردًا على ما اعتبره أتباعها تهميشًا للزيديين، وهم أحد فروع المذهب الشيعي الذي حكم اليمن قرونًا طويلة في إطار نظام الإمامة. وقد بدأ مؤسس الحركة بدر الدين الحوثي نشاطه بخطب دينية تنتقد فساد نظام الرئيس علي عبد الله صالح، وكذلك التأثير السلفي الذي كانت المملكة العربية السعودية تعمل على نشره بقوة في شمال اليمن.

لقد استلهم الحوثيون منذ تلك المرحلة الثورة الإيرانية عام 1979، لكنهم ظلوا حركة مستقلة. وعلى خلاف حزب الله اللبناني، لم يكونوا مشروعًا إيرانيًا مباشرًا.  على الرغم من أن وصف الحوثيين بأنهم مجرد «وكلاء» لإيران ليس دقيقًا، فمصطلح الوكيل (Proxy) لا ينطبق هنا. فإيران لم تسعَ إلى فرض هيمنتها في اليمن عبر الحوثيين، بل إن العلاقة أقرب إلى شراكة بين طرفين يواجهان خصمًا مشتركًا.

وبحلول عام 2014، وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، تحولت الحركة إلى قوة سياسية وعسكرية حقيقية. كما أن التدخل العسكري السعودي عام 2015 لم يضعفها بقدر ما ساهم في تعزيز تماسكها. وفي تلك المرحلة تحديدًا أصبحت المساعدة الإيرانية أكثر انتظامًا وتنظيمًا.

من التقارب الأيديولوجي إلى الدعم العسكري: كيف تشكّل التحالف

لم يقتصر التقارب بين إيران والحوثيين على الخطاب المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل. فالمذهب الزيدي أقرب من الناحية الفقهية إلى التشيع الجعفري مقارنة بالتيارات السنية، وقد قام علماء دين إيرانيون من مدينة قم بتعليم مئات من نشطاء الحركة منذ تسعينيات القرن الماضي. غير أن العامل الأهم في العلاقة بين الطرفين كان الاعتبارات العملية والبراغماتية. فإيران لعلها الدولة الوحيدة التي اعترفت بحكومة الحوثيين في صنعاء. ومنذ عام 2009، ولا سيما بعد 2014، زودت طهران الحركة بصواريخ كروز وصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، إضافة إلى التدريب والدعم الاستخباراتي.

 بالنسبة لإيران، فإن الفائدة الاستراتيجية واضحة. فالحوثيون يسيطرون على مضيق باب المندب، وهو ممر بحري حيوي يربط البحر الأحمر بقناة السويس. وهذا يمنح طهران القدرة على تهديد التجارة العالمية دون الحاجة إلى إشراك قواتها العسكرية النظامية بشكل مباشر.

ويشير خبراء إلى أن الحوثيين أصبحوا بعد أحداث 2023–2024 أحد أكثر عناصر «محور المقاومة» فاعلية وربحية من الناحية الاستراتيجية. فبينما تكبد حزب الله وحماس خسائر كبيرة، أظهر الحوثيون قدرة على خوض حملة طويلة الأمد وجذب اهتمام العالم. في المقابل، حصل الحوثيون على ما لم يمتلكوه من قبل: أسلحة حديثة ومكانة سياسية دولية. وقد أكد زعيم الحركة عبد الملك الحوثي مرارًا “أن حركته ليست تابعة لإيران، بل حليفة لها في مواجهة ما يسميه «الإمبريالية والصهيونية”.

المصلحة الاستراتيجية: لماذا قد يقاتل الحوثيون دفاعًا عن إيران؟

إن استعداد الحوثيين للقتال إلى جانب إيران لا يقوم على دوافع إيثارية، بل على حسابات سياسية واستراتيجية.

  1. العامل الأيديولوجي: فمنذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تقدم الحركة نفسها باعتبارها جزءًا من «محور المقاومة». وقد بدأت الهجمات على السفن في البحر الأحمر منذ أكتوبر- تشرين الأول 2023 دعمًا لفلسطين وحركة حماس، وكانت هذه العمليات منسقة مع أطراف أخرى مرتبطة بإيران. ووفقًا لتقارير مجموعة الأزمات الدولية، ربط الحوثيون مرارًا خفض التصعيد في البحر بوقف إطلاق النار في غزة، والآن أيضًا بالدفاع عن إيران.
  2. الانتقام والتضامن السياسي: فبعد الضربات التي تعرضت لها إيران في فبراير- شباط 2026، بما في ذلك الأحداث التي أدت إلى مقتل آية الله علي خامنئي، أعلن الحوثيون رسميًا استئناف الهجمات على السفن الأمريكية والإسرائيلية. فقد نفذ الحوثيون أكثر من 200 هجوم خلال عام 2025، وهو ما ساهم في رفع الأسعار العالمية للسلع بنحو 15%.
  3. ضمان أمنهم الداخلي: فالمملكة العربية السعودية لا تزال العدو الرئيسي للحوثيين على الأرض. وطالما بقيت إيران قادرة على تشتيت اهتمام الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الرياض لن تستطيع تركيز كامل قوتها على اليمن. كما أن الإمدادات العسكرية الإيرانية تساعد الحوثيين على الحفاظ على سيطرتهم على صنعاء وتوسيع نفوذهم السياسي والعسكري.

اللحظة الراهنة: من موقع المراقب إلى لاعب فاعل

في مارس- آذار 2026 وصلت الأوضاع إلى نقطة حرجة. فبعد انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، لم تعد طهران تخفي نيتها الرد بقوة. وقد أعلن الحوثيون بالفعل استعدادهم لاستهداف ناقلات النفط واستئناف حملتهم في البحر الأحمر.

 ويمثل ذلك ردًا غير متماثل مثاليًا: خسائر محدودة بالنسبة للحوثيين، مقابل أضرار كبيرة للاقتصاد العالمي. ووفق تقديرات محللين، فإذا أصبح مضيق هرمز مهددًا، بينما يخضع مضيق باب المندب لسيطرة فعلية، فإن أسعار النفط وتكاليف النقل واللوجستيات سترتفع بصورة أكبر. وهذا بالضبط ما تسعى إليه طهران عبر حلفائها.

لا يتوقع الخبراء أن يدفع الحوثيون بكل قواتهم إلى حرب مباشرة دفاعًا عن إيران. فالحوثيون لاعبون مستقلون وأن أولويتهم الأساسية هي اليمن. في المقابل إن عادت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، فقد يقوم الحوثيون مجددًا بتخفيف هجماتهم مقابل تنازلات سياسية.

غير أنه في حال استمرار التصعيد – مثل شن ضربات جديدة على طهران أو فرض حصار عليها – فإن الحوثيين قد يزيدون نشاطهم العسكري بسرعة. وتتوقع مراز أبحاث أن الحوثيين تعلموا بالفعل تصنيع صواريخ معقدة محليًا اعتمادًا على التكنولوجيا الإيرانية، الأمر الذي يجعلهم قوة خطرة نسبيًا وأكثر استقلالية في الوقت نفسه.

 

نقلاً عن موقع «السؤال»

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.