رسّخ المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان، توم باراك، لنفسه صورة دبلوماسي متمرّد، من خلال إطلاقه تصريحات جريئة أثارت في أكثر من مناسبة غضب سياسيين في الشرق الأوسط والولايات المتحدة على حدّ سواء. ومن بين آرائه المتعددة، فقد اعتبر أن ما يناسب دول الشرق الأوسط هو أن تُحكم بواسطة أنظمة ملكية، وأن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، وأن بريطانيا وفرنسا عطّلتا التطور الطبيعي للمنطقة بتوقيعهما اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، التي عبثت ببنيتها الاجتماعية والثقافية وأسهمت في إنشاء دول مصطنعة بلا ركائز، في العراق وبلاد الشام الكبرى. ومطلع هذا الشهر، وجّه باراك انتقادات حادّة إلى لبنان، واصفًا إياه بالدولة الفاشلة، وداعيًا إلى اندماج سوريا ولبنان في دولة واحدة، استنادًا إلى ما اعتبره خلفية ثقافية وسياسية مشتركة بين البلدين. غير أنّ هذا الطرح الطموح يبدو، في الحقيقة، بعيدًا عن معطيات الواقع.
احتكاك دائم
لا يزال كثيرون في سوريا يشعرون بالغضب إزاء قيام فرنسا بإنشاء دولة “لبنان الكبير” عام 1920 من رحم أراضٍ سورية. وكان الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، يردّد أنّ السوريين واللبنانيين شعب واحد في دولتين، وقد صاغ علاقته مع الحكومة اللبنانية على هذا الأساس. إذ كان ينظر إلى لبنان على أنّه دولة عاجزة عن حكم نفسها، ما يعني ضمنًا، في نظره، أن على سوريا أن تتولى مسؤولية سياساته الداخلية والخارجية.
ومنذ نيل البلدين استقلالهما في أربعينيات القرن الماضي، اتّسمت العلاقات بين لبنان وسوريا بتوتر دائم. ولم تفلح العبارات المتكررة والمبالغ فيها عن عمق العلاقة الأخوية بينهما في إخفاء حدّة الاحتكاك والشكوك المتبادلة. ففي الجوهر، لطالما رفض السوريون استقلال لبنان، معتبرين إيّاه جزءًا من وطنهم. وعندما تولّى الأسد رئاسة سوريا عام 1971، سعى إلى الهيمنة على الحياة السياسية اللبنانية، ونجح في ذلك بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. غير أنّ الضغوط المتزايدة على سوريا عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، عام 2005، أجبرت الجيش السوري على الانسحاب من لبنان، بعد ثلاثة عقود من هيمنته غير المعلنة على البلاد. وبعد ست سنوات فقط، اندلعت الحرب الأهلية في سوريا، لتؤكّد مجددًا مدى قدرة التطورات في أحد البلدين على التأثير المباشر في الآخر. ففي أعقاب اندلاع النزاع، تدفّق اللاجئون السوريون إلى لبنان، وساند السنّة اللبنانيون الانتفاضة ضد الرئيس السوري، بشار الأسد، في حين أعلن “حزب الله” انخراطه في الحرب دعمًا للنظام السوري.
وعلى الرغم من انهيار سلالة الأسد قبل عام، لا تزال التوترات بين البلدين قائمة. فعودة النازحين السوريين إلى بلادهم، إضافة إلى ترسيم الحدود، تمثّل أولوية ملحّة بالنسبة إلى لبنان، في حين تركّز دمشق على استعادة السجناء السوريين المحتجزين في السجون اللبنانية من دون محاكمة، وفي ظروف غير إنسانية. وفي مواجهة معارضة “حزب الله”، رفضت الحكومة اللبنانية مطالب دمشق بالإفراج عن نحو ألفي سجين سوري ولبناني ممّن دعموا الانتفاضة ضد نظام الأسد. ولا تزال السلطات اللبنانية تحتجز هؤلاء من دون محاكمة، متذرّعة ببطء الإجراءات القضائية.
في الواقع، تُعدّ فترات التأخير الطويلة في المحاكمات واستمرار التوقيف الاحتياطي لفترات مطوّلة من المشكلات الخطيرة التي يعاني منها النظام القضائي اللبناني. ففي العديد من الحالات، تتجاوز مدة الإجراءات القضائية العقوبة السجنية التي تُفرض في نهاية المطاف. وقد بقي بعض الموقوفين قيد المحاكمة لسنوات قبل أن يُصار في النهاية إلى تبرئتهم. ومع ذلك، يبقى التعاطي مع ملف السجناء مسألة أسهل نسبيًا مقارنةً بتعقيدات ملف ترسيم الحدود.
لقد أدّت الحدود غير الواضحة بين لبنان وسوريا إلى ازدهار تهريب البضائع، وعبور الأشخاص بشكل غير شرعي، والاتجار بالمخدرات والأسلحة. كما سهّلت هذه الحدود دخول سوريين إلى لبنان من دون إذن رسمي بغرض الاستقرار، وكذلك انتقال لبنانيين إلى داخل الأراضي السورية. وقد استولى لبنانيون على أكثر من 23 قرية حدودية سورية و12 مزرعة، فيما بات هناك ما لا يقل عن 36 منطقة حدودية موضع نزاع. وخلال الحرب السورية، تمتع سكان هذه المناطق، الحائزون على بطاقات هوية لبنانية، بحريّة تنقّل بين البلدين نتيجة غياب القوى الأمنية وانعدام الرقابة على الحدود. وبعد سقوط نظام الأسد، استمرّ التهريب وتطوّر إلى اشتباكات حدودية.
بغضّ النظر عمّن يتولّى الحكم في دمشق، لم تُبدِ سوريا يومًا اهتمامًا جديًا بترسيم الحدود، إذ إنها تعتبر لبنان جزءًا من أراضيها. وقد وافقت دمشق على مضض على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع لبنان عام 1994، إلا أنّ المسؤولين السوريين غالبًا ما يعاملون نظراءهم اللبنانيين بتعالٍ. كما رفض النظام الجديد في دمشق إرسال سفير إلى بيروت، على الرغم من مرور أكثر من عام على تسلّمه السلطة.
وعندما انطلقت الانتفاضة ضد السياسات القمعية لنظام الأسد عام 2011، لجأ عدد كبير من السوريين إلى لبنان. وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة حول أعداد السوريين الذين استقرّوا في لبنان، تشير التقديرات إلى ما بين 1.5 ومليونَي شخص، وهو رقم مقلق بالنسبة إلى بلد لا يتجاوز عدد سكانه خمسة ملايين نسمة. وقد أبدت حكومة الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، تردّدًا في دعم عودتهم، إذ إن الحرب الأهلية الطويلة دمّرت الاقتصاد السوري، كما أنّ معظم منازل اللاجئين قد سُوّيت بالأرض. في المقابل، ترى الحكومة اللبنانية في الوجود السوري الكثيف تهديدًا أمنيًا وسياسيًا بالغ الخطورة، وهو تقييم لا تعارضه الحكومة في دمشق.
سوريا اليوم
بعد أكثر من ستة عقود من الحكم، هدم نظام الأسد المجتمع المدني في سوريا، ومنع التعددية السياسية. فقد قمع حرية التعبير السياسي، وأسكت مطالب المشاركة التي رفعتها المكوّنات العرقية والدينية في البلاد. كما استخدم النظام الأقلية العلوية للسيطرة على الأجهزة الأمنية، ما مكّنه من إخضاع السكان ومنعهم من التعبير عن آرائهم السياسية. وعلى النقيض من ذلك، تمتع اللبنانيون بمستوى من حرية التعبير يفوق ما عرفته معظم المجتمعات العربية.
من جهة أخرى، بات واضحًا أنّ العلويين يزدادون قلقًا واضطرابًا إزاء الانتهاكات الجسيمة التي تعرّضوا لها منذ إطاحة بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. وقد طالبوا بصوت مرتفع بإقامة نظام فدرالي، حتى ولو استدعى ذلك اللجوء إلى التمرّد. كما طالت أعمال العنف التي استهدفت العلويين في غرب سوريا المواطنين المسيحيين، بذريعة تعاونهم مع النظام السابق. وعلى الرغم من إدراك الشرع لحساسية الولايات المتحدة تجاه هذه القضية، فإنه لم يتمكّن حتى الآن من ضبط القوات التي يُفترض أنها تتحرّك تحت إمرته.
يقول مراقبون محلّيون مطّلعون على الأوضاع على طول الساحل السوري إن بعض المقرّبين من بشار الأسد يعملون على تشكيل ميليشيات علوية، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الدولة السورية باتت على وشك الانهيار. وفي أعقاب المجازر التي ارتُكبت بحق العلويين في شهر آذار/مارس، دعا قادة بارزون في الطائفة العلوية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى توفير الحماية لهم، على غرار ما فعله مع الدروز في سوريا.
تواجه سوريا خطر التفكك الإقليمي. إذ يسيطر الأكراد بالفعل على نحو 25 في المئة من أراضي البلاد، ولا يخضعون لسلطة الحكومة المركزية. وقد أعلنت إسرائيل أنها تتولى حماية المناطق ذات الغالبية الدرزية في جنوب غرب سوريا. ويطالب العديد من الدروز بالحكم الذاتي بعيدًا عن دمشق، فيما يذهب آخرون إلى حدّ المطالبة بإقامة دولة مستقلة. أما العلويون في الساحل السوري، فلا يزالون في حالة توتر وقلق، ولا سيما بعد مجازر آذار/مارس، وسط تقارير تفيد بأنهم يخططون لتمرّد مسلح يهدف إلى المطالبة بالاستقلال. يبدو، والحال كذلك، أن الضرر الذي لحق بالنسيج الاجتماعي الهش والمتعدد في سوريا بات غير قابل للإصلاح.
الشهر الماضي، انضمّت سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” خلال زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن. ومنذ ذلك الحين، بدأت تنسّق عمليات أمنية مشتركة مع القوات الأميركية في وسط سوريا. وخلال الأسبوع الماضي، تعرّضت قوة مشتركة لإطلاق نار من مهاجم مرتبط بالتنظيم قرب مدينة تدمر، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين. وقد شكّل هذا الهجوم تذكيرًا بخطورة التهديد الذي لا يزال التنظيم يشكّله على استقرار سوريا وعلى جهود الشرع الرامية إلى إعادة توحيد البلاد.
انفصال عن الواقع
في ضوء هذه التحديات، تبدو سوريا في وضع لا يسمح لها بأي حال بالاندماج مع لبنان، كما دعا باراك. فمنذ عقود، منحت فرنسا الاستقلال لكلٍّ من سوريا ولبنان تحت ضغط بريطاني. وبعد الاستقلال، اعتمدت سوريا نظامًا برلمانيًا ديمقراطيًا، في حين أقام لبنان بنية سياسية عمادها التوافق والتسويات الطائفية. وقد توافقَت النخبة السياسية اللبنانية على إنشاء نظام يرفض كلاً من الوحدة مع سوريا ذات الغالبية المسلمة، واستمرار الانتداب الفرنسي الذي كانت تفضّله غالبية المسيحيين. وقد بُني النظام السياسي اللبناني على مجموعة من التناقضات، من بينها تقاسم السلطة الطائفي، وهيمنة النخب على موارد الدولة، والتدخلات الخارجية العميقة – وهي عوامل فاقمت التوترات بين مكوّناته الطائفية.
إن فكرة إعادة دمج لبنان وسوريا اليوم، بعد أكثر من قرن على فصلهما، تبدو بعيدة تمامًا عن الواقع. فقد كان اللبنانيون منقسمين تاريخيًا حول هويتهم، وإن كانت حدّة هذا الانقسام قد تراجعت في السنوات الأخيرة. إذ لطالما تطلع السنّة إلى إعادة الوحدة مع سوريا، ولا سيما خلال فترة الوحدة السورية – المصرية بين عامي 1958 و1961، غير أنهم في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية تصالحوا مع فكرة لبنان، وقبلوه تجسيدًا لطموحاتهم الوطنية. أما الشيعة، فبقوا منقسمين بين انتمائهم إلى لبنان وتماهيهم مع الثورة الإيرانية. ومع ذلك، وعلى الرغم من الانقسامات السياسية العميقة، لم يُبدِ معظم اللبنانيين رغبة في الانضمام إلى دولة سورية كبرى.
وعليه، يصعب تصوّر اندماج البلدين في دولة واحدة. فقد تلاشت الدوافع التي كانت قائمة في خمسينيات القرن الماضي لإعادة جمعهما. وقد تشكّل خلال العقود الماضية شعبان بخصائص مميّزة تفصل بينهما سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا. وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، قدّم “حزب الله” نفسه بوصفه العائق الرئيسي أمام إعادة إطلاق “لبنان جديد”. غير أنّ هزيمته في الحرب التي خاضها مع إسرائيل العام الماضي، وما يرافق ذلك من نزعٍ حتميٍّ لسلاحه، سيضعان لبنان على مسار التعافي السياسي والاقتصادي. فضلًا عن ذلك، فإن مستويات المعيشة في لبنان تفوق بكثير تلك السائدة في سوريا، كما أن حرية التعبير والنظام التعليمي اللبناني ذات الطابع الغربي لا نظير لهما في المنطقة العربية. وبناءً عليه، فإن اللبنانيين، على اختلاف انقساماتهم، سيواصلون مقاومة أي طروحات اندماجية الطابع.
ترجمة بتصرّف عن موقع Geopolitical Futures
بقلم: هلال خشان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
