لا يختلف اثنان بشأن فرض إسرائيل واقعاً جديداً في سوريا بعد سقوط بشار الأسد من خلال رسم معادلة أمنية جديدة ببسط نفوذها عبر قضم مساحات جديدة وخاصة في المناطق المحيطة بهضبة الجولان المحتلة.
تغير الحكم في دمشق، وتزايدت تعقيدات المشهد السوري وتداخل الأجندات بخاصة في الجنوب، ليستغل الإسرائيليون الإرباك والفراغ الأمني في الساحة السورية عبر ورقة “المنطقة العازلة”، فهم ينظرون إلى سوريا كـ”منطقة حرب لا سلام”.
التحرك الإسرائيلي الجديد يطالب بشكل صريح بإنشاء منطقة منزوعة السلاح، تمتد من دمشق وصولاً إلى المنطقة العازلة الحالية التي أنشأت بموجب اتفاقية “فض الاشتباك” عام 1974 بين سوريا وإسرائيل.
وهو ما طالب به مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، بقوله إن الحدود الشمالية لإسرائيل هي خط أحمر ولن يسمح لإيران أو حزب الله أو حماس، أو جماعات أخرى، بإعادة التمركز أو التواجد هناك، في ظل وجود “ميليشيات إرهابية متعددة”، من بينها تنظيم داعش، على بعد 10 كيلومترات من حدودها، وبالتالي ضمان عدم تحوُل “سوريا الجديدة” إلى مصدر تهديد لأمن إسرائيل.
تسلط إسرائيلي
ومنذ عشية الثامن من ديسمبر 2024، تخلت إسرائيل عن تفاهماتها القديمة مع سوريا. حينها شقت المنطقة العازلة بتحركات وتوغلات عسكرية، غير عابئة بالتحذيرات الأميركية وانزعاج الإدارة السورية الجديدة من هذه التحركات والخروقات وعجز الأخيرة عن إيجاد أوراق ضغط كافية لوقف التسلط الإسرائيلي.
فتعقيدات المشهد السوري وظفتها تل أبيب كـ”شماعة” لرسم خرائطها الأمنية الجديدة بزعم التهديدات الأمنية التي تطالها من نافذة سوريا، مستغلة انشغال حكومة دمشق بالحروب الصغيرة المشتعلة بنار الطائفية والتقسيم.
ومنذ ذلك التاريخ، عمدت إسرائيل إلى توسيع مساحاتها داخل المنطقة العازلة، وفرضت واقعاً أمنياً جديداً بتركيز قواعد ومراكز عسكرية، غالبيتها موجودة داخل حدود المنطقة العازلة.
والمنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل هي منطقة فاصلة أنشأتها الأمم المتحدة بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 في هضبة الجولان، وتُعرف بـ”الخط البنفسجي”، تتمركز بها قوة مراقبة دولية، تفصل بين الأراضي التي تحتلها إسرائيل والمواقع التي تديرها سوريا.
هذه التحركات التوسعية في الجنوب تعكس نية إسرائيل بالبقاء طويلاً في الأراضي السورية، ولم يعد يُخفى الحديث عن مخطط المنطقة الأمنية في الجنوب السوري على الرغم من التحذيرات الأميركية.
تقول المعلومات إن إسرائيل تسعى من خلال فرضها لمنطقة عازلة جنوباً إلى القطع مع قيام جيش سوري قوي يهدد حدودها، ونزع الأسلحة من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، وغلق المنافذ النشطة لنقل الأسلحة إلى لبنان انطلاقاً من الأراضي السورية، بهدف فرض واقعاً أمنياً جديداً يعزز بسط خرائطها الأمنية الجديدة في المنطقة من خلال بسط نفوذها على موقع استراتيجي هام.
تلاشي «الخط البنفسجي»… تهديد للدولة السورية
تتحدث الاوساط السورية الرسمية عن قلقها الدائم من “العربدة الإسرائيلية” في الجنوب، من خلال خرقها للتفاهمات الأمنية بينهما منذ تغير الحكم في دمشق، بأكثر من ألف غارة وأكثر من 400 توغل داخل مساحاتها البرية.
فالشرع – الحليف المفضل لدى ترامب – لم يخف انزعاجه من محاولات تل أبيب إقامة منطقة عازلة في الجنوب، في وقت لم يعد خافياً أن سيد “سوريا الجديدة” يراهن على مظلة تركية سعودية وأميركية لتفادي مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” ومنع تكريس أي واقع تقسيمي في الجنوب.
وفي نظر الرئيس السوري فإن المخطط الذي يعمل عليه الإسرائيليون هو تهديد للدولة السورية يُدخل البلاد إلى “مكان خطر”، فهذا المخطط سينهي شعار “سوريا الموحدة ذات السيادة” الذي رفعته الإدارة السورية الجديدة منذ صعودها، وسيغذي بلا شك دعوات التقسيم المتصاعدة في الساحة السورية.
وعليه، فإن الشرع لا يفوّت الفرصة لدعوة الإسرائيليين للانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر 2024 والتزام بلاده باتفاق 1974 والخط البنفسجي.
في ذات السياق، تهمس تقارير إعلامية مسربة عن اجتماع مرتقب بين الشرع ونتنياهو بعد محادثات حول تسوية اتفاق أمني بينهما برعاية أميركية تمهد إلى إغلاق ملف سوريا.
واشنطن على خط «الاتفاق الأمني»
بغض النظر عن حسابات إسرائيل المعقدة في الملعب السوري، فإن ضابط الإيقاع الأميركي أظهر وصايته على سوريا الجديدة. لهذا تتوسط واشنطن للتوصل إلى ترتيبات أمنية لمنع التصعيد العسكري بينهما، والذي قد يجر سوريا المضطربة في حال حدوثه إلى خطر التقسيم والتفكيك وهو ما تسعى الإدارة الأميركية إلى تفاديه في ظل المتغيرات الإقليمية.
لا يفوت واشنطن أن التمدد الإسرائيلي في العمق السوري هو مشروع استيطان دائم، يعكس مشروعها السياسي والعسكري في المنطقة منذ عام 1948، رغم مناورات إسرائيل لتبرير تحركها في الجنوب السوري بأنه رد على تهديدات أمنية مباشرة على حدودها.
ربما لن تكفي أوراق ضغط واشنطن لتحقيق اتفاق سلام كامل بين سوريا وإسرائيل، في ظل تعنت الإسرائيليين بشأن مطلب دمشق بالانسحاب إلى ما قبل خطوط 8 ديسمير، لكن المؤكد أن الإسرائيلي سيدير ترتيبات سراً لهندسة خرائطه الأمنية في سوريا الجديدة كمسرح “لتحويل الاحتلال المؤقّت إلى مشروع دائم” عبر ورقتها “فرّق تسد”.

سناء محيمدي
صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.
