على خطٍ موازٍ لتعثر مفاوضات إسلام آباد وغموض مآلاتها، يتخذ التصعيد في جبهة لبنان منحى أكثر تعقيدًا، بعد أن أُسقط بلد الأرز من حسابات التهدئة الإقليمية، في مؤشر واضح على موقع لبنان في مرحلة ما بعد الحرب. ففي هذا السياق، رفضت إيران التنازل عن أوراق حملتها في حقيبة التفاوض، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، من لبنان إلى مضيق هرمز. وفي المقابل، يظهر “لبنان الرسمي” أكثر حزمًا في السعي إلى فكّ ارتباط الملفات بمنطق الوكالة المفروض منذ عقود.
في مشهد سياسي شديد التعقيد، يجري مسؤولون لبنانيون محادثات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى تفاهمات أمنية تُبقي لبنان خارج دائرة نيران الصراع الإقليمي، وتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية خلف الحدود المعترف بها دوليًا، والمعروفة بـ”الخط الأزرق”، وهو خط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والمعتمد من قبل الأمم المتحدة.
ولا تقف التفاصيل عند هذا الحد، إذ يرفض الإسرائيليون الفصل بين مساري الحرب والدبلوماسية. ورغم موافقتهم على إطلاق مسار تفاوضي مباشر مع حكومة نواف سلام لتحقيق “اتفاق سلام تاريخي”، تبقى مسألة سلاح “حزب الله” نقطة حساسة تُثير قلق إسرائيل في جبهة لبنان.
واشنطن 2… على حقل ألغام
بالنسبة إلى إسرائيل، لم يلقَ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان ترحيبًا في أوساط تل أبيب، التي تعارض وقف الحرب قبل تحقيق أهداف العمليات العسكرية، وفي مقدمتها نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته التحتية. وهذا ما يزيد من حالة الاختناق السياسي والتعقيد الأمني في جبهة لبنان، ويضع الدولة أمام اختبار حاسم: إما تكريس السيادة الكاملة، أو الاستمرار في إدارة توازنات سياسية هشة.
وفي موازاة ذلك، يعوّل “لبنان الرسمي” على التقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة كعنوان لمرحلة جديدة، في ظل البحث عن اتفاق يُخرج لبنان من دائرة الحرب الإقليمية. ورغم تعدد أوراق الضغط الداخلية والخارجية، تبدو الدولة أكثر حزمًا في مواجهة ملف السلاح، الذي بقي محور تجاذبات في الحياة السياسية اللبنانية منذ اتفاق الطائف عام 1989.
ولا يظهر خطاب السلطة اللبنانية الأخير أي مرونة في هذا الملف، الذي أُدير على مدى خمسين عامًا خارج إطار “شرعية” الدولة. وفي الوقت الذي يسعى فيه “لبنان الرسمي” إلى حصر قرار السلم والحرب بيده، تقود حكومة نواف سلام مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كعنوان لمرحلة جديدة، تمهّد الطريق أمام مفاوضات أعمق وأوسع.
من جهة أخرى، يُنظر إلى المفاوضات التي يقودها الفريق الأميركي كفرصة استثنائية لفتح صفحة جديدة في الملف اللبناني، تستعيد فيها الدولة قرارها الدبلوماسي بمعزل عن موقف طهران و”حزب الله”. غير أن تزايد التهديدات والضغوط التي تتعرض لها حكومة نواف سلام، ردًا على مساعيها لاستعادة السيادة الدبلوماسية، ينذر بأن تسير هذه المفاوضات على حقل ألغام، في مرحلة شديدة الحساسية من زمن الهدنة الهشة.
خطوط إسرائيل الجديدة في لبنان… من الأزرق إلى الأصفر!
بموازاة المسار الدبلوماسي، ترسم إسرائيل خرائط سيطرتها في لبنان على مهل، عبر إسقاط تجربة “الخط الأصفر” في غزة على الجنوب اللبناني. وهي خطوة تعكس مخططًا أحاديًا لإعادة هندسة المشهد الحدودي، يتجاوز الإجراءات العسكرية التكتيكية، ليعيد صياغة الواقع الأمني في لبنان، بما يعكس الطموحات التوسعية الإسرائيلية.
وفي السياق الميداني نفسه، يحيك “حزب الله” خطوط اشتباكه مع الخصم الإسرائيلي في الجنوب، ساعيًا إلى فرض إيقاعه الخاص، حيث تبدو الحرب أقرب من السلام، لا سيما أن التحركات الداخلية والخارجية تتجه نحو اتفاق يُخرج “الدويلة” من معادلات التسوية في لبنان.
وقد دخل لبنان الجولة الثانية من المفاوضات التي ترعاها واشنطن، إلا أن “توليفة” الطروحات المطروحة على جدول أعمال المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية تزيد من حدة معارضة “حزب الله” لأي نقاش أو تقديم تنازلات مجانية “للخصم الإسرائيلي”.
وعلى هذا الأساس، يرفض قادة الحزب فتح بيروت أمام قناة تفاوض مباشرة مع إسرائيل، معتبرين أنها “محادثات تحت النار”، ويطرحون أولوية “وقف إطلاق نار شامل وانسحاب إسرائيلي كامل” قبل الدخول في أي تفاهمات أو ترتيبات سياسية، تتزامن في الوقت ذاته مع ما يعتبرونه “قضمًا إسرائيليًا للأراضي اللبنانية تحت ذرائع أمنية”.
«فصل الملفات»… خطة سحب «ورقة لبنان» من إيران
ليس خافيًا أن الانخراط الرسمي لـ”حزب الله” في حرب إسناد إيران جعل من لبنان نافذة تفاوضية مهمة بيد طهران، تُستخدم كأداة ضغط سياسي تمنحها موقعًا تفاوضيًا متقدمًا لفرض شروطها في أي مسار تفاوضي.
وتشير المعطيات إلى توجه أميركي–إسرائيلي لفصل المسارات بين الملف الإيراني والملف اللبناني، كخطوة رئيسية تهدف إلى منع الربط بين إيران و”وكلائها” في المنطقة، وبالتالي إسقاط أوراق النظام الإيراني التفاوضية في حسابات الترتيبات الإقليمية لما بعد الحرب.
وفي خضم هذا المشهد، وضعت الأجندة الأميركية خطة لـ”فصل الجبهات”، تقوم على سحب لبنان إلى طاولة المفاوضات عبر الضغط السياسي، كخطوة أساسية لفصل الساحة اللبنانية عن إيران، بهدف تقليص أوراق ضغطها، في ظل تعقّد معادلات المواجهة التي لم يُحسم فيها المنتصر بعد.
ويراهن الجانب الأميركي، من خلال إدارته لملف لبنان، على انتزاع هذا الملف من يد إيران نهائيًا، وقلب المعادلة القائمة، عبر الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح “حزب الله” بشكل حاسم، بهدف ضرب مفهوم “وحدة الساحات” الذي فرضته طهران بمنطق الوكالة لتوسيع نفوذها الإقليمي، وبالتالي إنهاء مرحلة الوصاية الإيرانية على لبنان.
خلاصة المشهد
في المحصلة، لم يعد تمسّك إيران بورقة لبنان ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية في هذه المرحلة، مدعومة بعلاقتها الوثيقة مع “حزب الله”، الذي يجمعها به ترابط عقائدي وميداني عميق. ويأتي ذلك في ظل تعثر المشروع الإيراني بعد الخسارة الثقيلة لبوابة دمشق، فيما لا يزال لبنان يبحث عن اليوم التالي للهدنة، بعيدًا عن تعقيدات الحسابات الإيرانية.

سناء محيمدي
صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.
