ماذا لو انتهت الحرب دون غالب أو مغلوب؟

ليست كل الحروب تُقيّم بما تنتهي إليه، بل بما تتركه مفتوحاً بعدها. في الحروب التقليدية، تُقاس النتائج بالخرائط التي تتبدل، وبموازين القوى التي تنقلب، وبالجهة التي انتصرت وتلك التي انهزمت. لكن ثمة نوع آخر من الحروب لا يمنح أحداً هذا الامتياز. حروب تنتهي من دون أن تُحسم، وتخمد من دون أن تُطفأ. هنا يتراجع الحدث، وتتقدّم الحالة. إنها الحرب التي لا تنتهي… بل تتحوّل.

هذا هو المشهد الذي يتشكل اليوم في الإقليم. لا انتصار واضح، ولا هزيمة مكتملة، بل شيء بينهما. الولايات المتحدة (وإسرائيل معها) لم تعد تلك القوة القادرة على الحسم السريع، صورتها تتآكل تدريجياً تحت وطأة حرب لم تنهِ خصومها. وفي المقابل، إيران وحلفاؤها لم يُهزموا، لكنهم لم يفرضوا واقعاً جديداً. أما النتيجة فردع مشوش قائم على الخشية من الانفجار، لا على القدرة على منعه.

في مثل هذه الحالة، لا تنتهي الحرب… بل تتغير طبيعتها. تتحول من مواجهة مفتوحة إلى اشتباك دائم منخفض الحدة. لا تسوية سياسية تُنهيه، ولا حرب شاملة تحسمه. منطقة بكاملها تدخل في زمن «الحرب غير المعلنة»، حيث يصبح التوتر جزءاً من الإيقاع اليومي. وهذا، في جوهره، أخطر من الحرب نفسها، لأنه يمدّدها إلى ما لا نهاية.

ومع غياب الحسم، تتبدل قواعد السلوك الإقليمي. لم تعد الدول تبحث عن الانتصار، بل هي تبحث عن تقليل الخسائر. تتراجع حدة الاصطفافات، وتبرز براغماتية باردة تقوم على إدارة المخاطر لا حلها. من الخليج إلى المشرق، تسعى الدول إلى توزيع علاقاتها، فتحافظ على قنوات مع واشنطن، وتقترب من بكين، وتبقي خطوطاً مفتوحة حتى مع خصومها. السبب ليس زوال التناقضات إنما كلفة الانخراط المباشر.

في العمق، يتغير شيء أكبر من السياسات: تتغير طبيعة القوة نفسها. الفاعلون غير الدولتيين يثبتون مرة أخرى أنهم ليسوا ظاهرة عابرة، بل جزء من المعادلة. لا يُهزمون بسهولة ويملكون القدرة على تعطيل التوازنات دون الحاجة إلى امتلاك دولة. وهذا وحده كفيل بإضعاف المفهوم التقليدي للدولة، التي تفقد تدريجياً احتكارها للعنف، ومعه احتكارها للقرار.

أما الاقتصاد، فلا ينهار دفعة واحدة، لكنه يفقد يقينه. أسعار الطاقة تتأرجح وفق إيقاع التوتر. الاستثمارات تحتضر. وخطوط التجارة تبقى مهددة دائماً. العالم يدخل في حالة قلق مزمن، حيث يصبح الخطر  في ما يحدث وفي ما يمكن أن يحدث في أي لحظة.

ضمن هذا المشهد، تتفاوت قدرة الدول على التكيّف. دول الخليج، على سبيل المثال، تمضي في تسريع تنويع اقتصاداتها، وتعمل على تقليل اعتمادها على أي طرف واحد، في محاولة لحماية نفسها من تقلبات غير قابلة للضبط. في المقابل، تغرق الدول الهشة—من العراق إلى سوريا واليمن—في مزيد من التشظي، حيث يتعذر إعادة بناء الدولة في ظل استمرار الصراع وتعدد مراكزه. أما دول مثل مصر والأردن، فتجد نفسها تحت ضغط مزدوج: اقتصادي من جهة، وسياسي داخلي من جهة أخرى، في ظل ارتفاع كلفة الاستقرار.

لكن الأسوأ من كل ذلك هو تلك الصورة التي تظهر في لبنان، حيث لا يمكن الحديث عن «تأثيرات» للحرب، لأن البلد نفسه جزء من بنيتها. هنا، يؤدي غياب الحسم إلى تثبيت الواقع القائم. الدولة لا تستعيد دورها، والبنى الموازية لا تتراجع، فتُكرّس الازدواجية بدل أن تُحل. كيان رسمي ضعيف، إلى جانب قوة موازية أكثر حضوراً، في معادلة لا تُنتج دولة ولا تُنهيها، بل تُبقيها معلّقة.

في هذا السياق، لن يعرف لبنان الاستقرار. الجنوب يبقى ساحة توتر دائم، والداخل يتحرك على إيقاع حرب لا تُخاض بالكامل ولا تنتهي بالكامل. إنها حالة «اللا-سلم واللا-حرب»، حيث يصبح الزمن عامل استنزاف بحد ذاته.

اقتصادياً، لا يحمل هذا المشهد أي وعد بالإنقاذ. لا إعادة إعمار في ظل غياب الاستقرار، ولا استثمار في بيئة مفتوحة على المخاطر، ولا ثقة خارجية في نظام لم يحسم اتجاهه.

وفي الخلفية، تآكل بطيء في مفهوم الدولة. لا سلطة تستعيد قرارها، ولا بديل واضح يفرض نفسه، إنما شبكة من النفوذ المتداخل تُدير الواقع بدل أن تغيّره. لبنان، في هذه الحالة، بدل أن يكون دولة قرار، يتحول إلى مساحة إدارة توازنات.

لكن العقدة الأساسية تبقى في غياب الحسم. فحين لا تُحسم الحرب، لا يسقط مبرر السلاح، وحين لا يسقط مبرره، لا تكتمل الدولة. وهكذا يُعاد إنتاج الأزمة، مرة بعد مرة، بأشكال مختلفة، لكن بجوهر واحد.

في المحصلة، لا أحد يربح في هذا النوع من الحروب. لكن الخسارة لا تتوزع بالتساوي. الإقليم يدخل في حالة عدم استقرار مُدار، والنظام الدولي يتكيّف مع التوتر، بينما تدفع الدول الهشة الثمن الأكبر، وعلى رأسها لبنان.

الحروب التي لا تُحسم لا تُنهي الصراعات… بل تحوّلها إلى أنظمة قائمة بحد ذاتها.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.