الليلة سأخلع عباءة الصحافة… وأكتب بدموع الإنسان

هذه المرة لن أكتب بصفتي صحافية. لن أرتدي عباءة التحليل، ولن أفتح دفاتر السياسة لأفتش فيها عن المذنب الأول، ومن أشعل الشرارة، ومن يتحمل المسؤولية. لن أدخل في سجالات من نوع: من بدأ؟ ومن ردّ؟ ومن أخطأ؟

هذه المرة سأخلع كل ذلك. وسأكتب بحبرٍ آخر… بحبر الإنسان الذي لم يجف منذ فجر الاثنين.

منذ ذلك الصباح وأنا أرى مشاهد لا يمكن أن تُختصر بلغة السياسة. أمهات يحملن خوفهن كما يحملن أطفالهن. آباء يحاولون أن يبقوا أقوياء، فيما القلق يفيض من أعينهم. وأطفال يسألون السؤال الأبسط والأكثر وجعاً في آن: هل سننام الليلة بأمان؟ هل يمكن أن نلعب… من دون أن يسرق أحد كرتنا؟

في لحظات كهذه، تبدو كل النقاشات الطائفية سخيفة إلى حد القسوة. ليس لأن الطوائف غير موجودة، بل لأن الألم لا يعرفها.

وُلدت في لبنان، لكنني لا أذكر أن الطائفية كانت لغة في البيت الذي تربيت فيه. كانت كلمة غريبة عن قاموس العائلة، غريبة عن أحاديثنا اليومية، غريبة عن الطريقة التي كنا ننظر فيها إلى الناس.

لم أفهم يوماً لماذا يجب أن يُعرَّف الإنسان أولاً بطائفته قبل أن يُعرَّف باسمه.

حتى إن أول مرة اكتشفت فيها أن لهذا البلد شيئاً اسمه «مذهب» كانت في المدرسة. كنت في السابعة من عمري حين دخلت الراهبة إلى الصف تحمل دفتراً وتسأل التلاميذ واحداً واحداً: ما مذهبك؟ وحين جاء دوري، أجبتها ببساطة طفل: لا أعرف.

لم يكن جهلاً. كان براءة… لا بل وطنية.

بعد سنوات، اكتشفت أن صديقة طفولتي التي كانت تنام في بيتنا، وتشاركنا الطعام والضحك واللعب، تنتمي إلى الطائفة السنية. يومها خافت أن تخسرني حين عرفتُ ذلك. لكننا اكتشفنا شيئاً حينها: أننا لم نكن نرى في بعضنا طوائف أصلاً.

ذلك هو لبنان الذي أعرفه. وذلك هو لبنان الذي أرفض أن يُمحى من الذاكرة.

في الأيام الأخيرة رأيت صورة لا تشبه هذا الوطن الذي أؤمن به. صورة تظهر، للأسف، في تحريض نشرات الأخبار وفي خطابات بعض السياسيين وحتى بعض المواطنين.

رأيت إلياس يكره علي. وشربل يطرد محمد. وكارول تشتفي بفاطمة. وريتا تغلق بابها أمام أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في بلدٍ نكر أبناؤه بعضهم بعضاً.

متى سنتعلم أن نتقاسم الخوف نفسه والقلق نفسه من دون أن نسأل الآخر: من أي طائفة أنت؟

متى سنتعلم ألا نطعن بأبناء الوطن الواحد، وألا نشتم من يختلف عنا، وألا نرى في الإنسان الآخر عدواً؟

في لحظات مصيرية كالتي يمرّ بها لبنان تختفي التعريفات التي صنعناها لأنفسنا. لا يبقى شيعي ولا سني ولا مسيحي ولا درزي. يبقى شيء واحد فقط: إنسان.

إنسان يجلس مع إنسان آخر حول طاولة واحدة. إنسان يحترم صلاة الآخر كما يحترم صمته. إنسان قد يطلب من الآخر أن يصلي له، حتى لو كانت صلاته بطريقة مختلفة.

هذه الحقيقة البسيطة التي حاولت السياسة أن تخنقها طوال عقود. لأن الحقيقة المرة هي أن اللبنانيين لم يولدوا حاملين هذا الحقد في قلوبهم. هذا الحقد زُرع فيهم. زرعته الأحزاب. ورعته الزعامات. وغذّته الحروب. وسقته مصالح الخارج.

هكذا تحول بلد صغير إلى حقل واسع تُزرع فيه الكراهية جيلاً بعد جيل. ولم ندرك، إلا متأخرين، أن الحقد يشبه الزراعة البطيئة: حقد الأمس نحصد نتائجه اليوم، وحقد اليوم سيحصد أولادنا ثماره غداً.

وفي الأثناء، تُذلّ الناس على الطرقات، وتنام عائلات تحت الكرتون وأكياس القماش، ويبكي الأطفال جوعاً وبرداً، بينما يتجادل الآخرون في تعريفات الطوائف والولاءات.

لكن وسط كل هذا الخراب، ما زلت أرى شيئاً واحداً يستحق الوقوف عنده: الناس العاديون في هذا البلد أفضل بكثير من السياسيين الذين يحكمونهم. وربما لأنهم يعرفون أن الدولة التي كان يفترض أن تحمي أبناءها تخلّت عنهم منذ زمن، وأننا نعيش، في كثير من اللحظات، تحت كنف «شبه دولة»، فلا يجوز أن يتخلّى الأبناء عن بعضهم.

الناس يريدون أن يعيشوا بسلام. أن يفرحوا. أن يربّوا أولادهم على محبة هذا البلد، لا على الخوف من بعضهم. يريدون أن يجلسوا حول طاولة واحدة، يتقاسمون الضحكة والحزن والخبز. ولهذا، قبل أن نكون صحافيين أو محللين أو سياسيين أو حتى أبناء طوائفنا، ربما علينا أن نعمل كي نكون بشراً أولاً.

كفى شراً.

كفى حقداً.

كفى إهانات متبادلة بين أبناء الوطن الواحد.

كن إنساناً أولاً… ثم كن ما شئت بعد ذلك.

فلبنان، إن بقي له معنى، لن ينقذه سوى أن يجتمع علي ومحمد وحسين وسيلين وكارول وريتا تحت سقف واحد، وأن يتحلقوا حول مائدة واحدة ليحموا إنسانيتهم في وجه عدوٍّ استباح، ليس فقط أرضنا، بل قيمنا وانتماءنا الوطني. عندها سنكتشف أننا كنا — طوال الوقت — نشبه بعضنا أكثر مما قيل لنا.

ذلك هو لبنان الذي يستحق أن يُكتب عنه. وذلك هو لبنان الذي يجب أن نحميه. فاحموا ما تبقى من إنسانية أبنائه… لأن الأوطان لا تموت حين تُحتل الأرض، بل حين يموت الإنسان في داخل أبنائها.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.