«خفض الاهتمام وزيادة الإنتاج»… يبدو هذا شعارًا مناسبًا لإعلان توم براك مبعوثًا رئاسيًا إلى سوريا والعراق، بالإضافة إلى عمله سفيرًا لبلاده لدى تركيا. جليٌّ أنّ هذه الأخيرة هي جوهر جدارة هذا الاستحقاق، خلافًا لما يعتقد البعض من أنّ اهتمامًا أميركيًا بمشاعر أبناء هذه البلاد سيتولّى تخليصهم من «ذقون المراوغة والانتهاز». عملية ترامب هذه تأتي امتدادًا لمسار عقيدة اللعب مع القوي، باعتبار أنّ غنائم هزيمة هؤلاء أكبر من تلك التي تجلبها لعبة المجموعات، مهما كبرت الآمال التي عُلّقت فوق أحلامها، وما يتيحه هذا من إمساك مرن بالمسؤولية، حيث يمكن تركها أو التخفيف منها بقدر الحاجة عند التعامل مع السلطة الحاكمة، ولو عبر وساطات تُفرَّغ من كل أوزانها، عوضًا عن تجميع الأحلام والبناء فوقها.
تنكّر ترامب لدعم المجموعات رافقته، بالضرورة، مصلحة لخصوم هذه الجماعات في السيطرة عليها، ليس فقط خصومها التقليديين، بل انضمّ إليهم غيرهم. تركيا مثلًا لم تعد وحدها صاحبة المصلحة، لكن ترتيب الأحداث فتح أبوابًا عدّة لدخول غيرها، لن يتّسع المقام للحديث عنها؛ لهذا سوف نخصّ تركيا به، مذكّرين بأنّ ترامب عبّر عن مراقبته تحرّكات المصالح هذه مرّات عدّة، لم يلاحظ أثرها أحد، وتمحورت حول سيطرة أردوغان على مناطق نفوذ من خلال فصائل تابعة له.
خبرة براك في بعض شؤون المنطقة لم تكن سببًا في تعيينه، بقدر ما كانت قدرته على ضرب الأهداف بدقّة. يجب ألّا ننسى كيف كان يعلّق أمنيات الجميع بزيارة واحدة له، لتتلاشى بعد ساعات هذه الآمال، مخلّفة انقسامات عدّة. ليست غريبة هذه الانقسامات؛ فهي ملح هذه المنطقة، لكنّ الغريب فيها هو جرأته التي أصبحت مطيّة كل فريق للهجوم على الفريق الآخر. كان هذا الهجوم دومًا مصحوبًا بفكرة تقبّل اللحلحة في المواقف، التي كانت تُثمر رغبات، قبل أن تصبح واقعًا، في الذهاب. انتبهوا؛ إنّنا نقول الذهاب، ما يعني: اللحاق إلى الخارج، إلى أرض ترامب، والتوسّل أو التماس حلّ المشاكل، بدلًا من سفر موفدي ترامب ومكوثهم في أرض غريبة، «أرض المهرولين»، زمنًا طويلًا، والعبث في محاولات حلّها على أرضهم. وهذا يعني فارقًا في دور الولايات المتحدة، وترامب على وجه الخصوص.
رحلة اللحاق هذه، بطبيعة الحال، لم تكن متاحة للعامة، ونقصد هنا أصحاب المشكلة، بل لأفراد السلطة. ونقول أفراد السلطة لأنّ السلطة ليست مبنيّة بالقانون، بل بالمحاصصة، مع أخذنا في الاعتبار أنّ هؤلاء الأفراد أنفسهم اعتلوا مناصبهم بأمنيات أميركية، لا نقول ضغطًا لأنّنا لا نقرّ بوجوده. لقد رأينا ما حدث مع لبنان وسوريا، وهو آتٍ إلى العراق، ولا يفوتنا أن نذكّر بقصة «أبو عمر» أو «السنكري» في لبنان وأثرها، في ظل تساؤل آخر حول غياب الوعي الأميركي عن مثل هذه السيناريوهات، ومدى تكرارها في أماكن أخرى.
اقتضى ضبط الإعداد هذا أن تتوسّع منطقة مراقبة الأحداث تحت عين براك. غير أنّ توسيع نطاق المهمة المكاني لا ينفصل عن نطاقها النوعي، الذي ينبغي ألّا يغرق في تفاصيل غير منتجة للولايات المتحدة، بالإضافة إلى كلفتها المرتفعة وهي تمارس سباق الهروب من تحمّل مسؤوليات رعاية مجموعات أو حتى أفكار، عبّر عنها براك ذاته حين تعامل مع فكرة حدود سايكس – بيكو، وأفكار المركزية واللامركزية والحكم الذاتي.
سننهي حديثنا عن أفضلية التعامل مع سلطة حاكمة بالنسبة إلى ترامب بتساؤل حول موقفه من إيران بعد أن نجحت تجربته، «تجربته هو»، في لبنان وسوريا والعراق وفنزويلا: هل بقيت الفكرة ذاتها قائمة، لكنها ستأخذ شكلًا آخر في إيران بعد فشل إيجاد نظام موالٍ للولايات المتحدة فيها؟
بالإضافة إلى تساؤل آخر حول فكرة فخّ نزع سلاح الفصائل، التي يعلم ترامب أنّها عالية الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة، غير أنّه يضمن بها وجود «دولة» وليس سلطة، تحتاج إليها الولايات المتحدة ومجلس السلام التابع له، ويمكنه التحكم بها بعيدًا عن التعامل مع ساحة للمعارك. ويواجه، بتكتّل مجموع هذه الدول، قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وغيرها، ومعها قوى دولية. ربما هذا ما كان يقصده براك حين تحدّث عن «دولة قوية»، لا ما نقصده نحن حين نتحدث عن قوة كهذه.
النتيجة: مفهوم الدولة ليس واحدًا عند جميع المتعاملين به. لقد أخذ هذا المفهوم شكلًا جديدًا وحدودًا مغايرة مبتكرة مع صفقات ترامب.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
