تشير قرارات الولايات المتحدة الأميركية بشأن تمديد خدمة طائرات A-10 Thunderbolt II حتى أواخر العقد الحالي (2028–2030)، بعدما كان مقرراً إحالتها إلى التقاعد في عام 2026، إلى بعض ملامح الحرب على إيران، وخطط الولايات المتحدة تجاهها؛ سواء تلك التي نُفِّذت بنجاح، أو التي فشلت وتم الاستعاضة عنها ببدائل أخرى، أو تلك التي لا تزال في طور الانتظار إلى حين حلول “ساعة الصفر”.
من جهة أولى، يدلّ هذا القرار على توجّه جدّي يفوق في حدّته جدّية المسار التفاوضي—نحو مواصلة عمليات عسكرية تمهّد أو تُحضِّر لعملية برية حاسمة ومباغتة.
ومن جهة ثانية، يشي هذا التمديد بحجم الاستنزاف الذي تعرّضت له القوة العسكرية الأميركية، في مقابل تباطؤ إنتاج ما يمكن أن يعوّض هذا النزف. وقد تجلّى ذلك في تجاهل الدعوات إلى الاستغناء عن هذه الطائرة المكلفة من حيث الصيانة، مقابل التوجّه نحو تطوير أسلحة فرط صوتية. غير أنّ بطء الإنتاج هنا لا يُقاس بعدد الوحدات المنتَجة، بل بحجم الاستهلاك اليومي الضخم الذي بلغ مستويات قياسية، قد تُقاس بالساعات لا بالأيام مقارنةً بما كان عليه الحال في حروب سابقة.
كل ذلك يأتي في سياق سعي الولايات المتحدة إلى بلوغ ما يمكن تسميته بـ«نقطة الصفر للإجهاز» على إيران؛ وهي تلهث خلف هذا الهدف، لتجد نفسها مضطرة إلى تصعيد خطاب التهديد مقابل محدودية التنفيذ الفعلي. وقد اعتبر بعض مسؤوليها هذا النمط جزءاً من خطة سياسية تعتمدها الإدارة، وعلى رأسها ترامب، فيما عُرف بـ«الغموض الاستراتيجي».
غير أنّ هذا الغموض الاستراتيجي لم يكن موفقاً، إذ جاء في سياق محاولة متسرّعة وانفعالية لمراوغة خصم يتّسم بالهدوء وبرودة الأعصاب وعدم الاكتراث، كما هو الحال في السلوك الإيراني. وقد أدّى ذلك إلى وقوع الإدارة الأميركية في فخ الحاجة الملحّة إلى فرض حصار فوق الحصار القائم، سعياً لمواجهة قدرة إيران على الالتفاف عليه وإفشاله، خصوصاً في ما يتعلّق بالأهداف التي سعى ترامب من خلالها إلى إخضاع إيران.
ولم يقتصر أثر برودة الأعصاب الإيرانية على دفع ترامب إلى التراجع عن فرص إبرام صفقات سريعة، بل امتدّ أيضاً إلى المجال الإعلامي، حيث خاضت إيران حرباً نفسية وإعلامية متقدمة، بثّت عبر منصاتها رسائل مدروسة تستهدف التأثير في “مسرح الأعصاب” لدى الخصم.
في عودة إلى قرار تمديد مهمة A-10 Thunderbolt II، تشير هذه الخطوة، من زاوية ثالثة، إلى أنّ اللجوء إلى طائرة قديمة بهذا الشكل يعكس ضرورة عملياتية فرضها فشل تجربة ميدانية لمحاولة غزو بري، يُرجّح أنها جرت في محيط جزيرة خارك. وهذا يعني—وفق هذا التحليل—أن تقديرات صعوبة المهمة لم تكن مبنية على معطيات استخباراتية فحسب، والتي أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في التحقق من دقتها، بل تبعتها تجربة عملية حسمت، على الأقل بالنسبة لترامب، خطورة المضي في مغامرة من هذا النوع.
وبناءً عليه، لم يعد ترامب قادراً على الوثوق بتقديرات بعض مسؤوليه، الذين باتوا، في نظره، أقرب إلى حالة تضخيم للنجاحات وتبرير للقرارات، على نحو يذكّر بأنماط سلوكية لأنظمة أخرى في لحظات الانهيار. وقد أدّى هذا المأزق—الناجم عن دخول غير محسوب في الحرب—إلى وضعه في حالة ارتباك سياسي وعسكري، شبيهة بخطاب “الانسحاب التكتيكي” الذي يُستخدم لتبرير التراجع.
ومن جهة رابعة، فإن هذا التمديد يشير إلى وجود معارك ميدانية ضارية، حتى وإن كانت محاولات اقتراب محدودة، كلّفت الكثير من العتاد الذي استُهلك في عمليات لم تحقق عائداً عسكرياً متناسباً. وكان من أبرز هذه الميادين الاستهدافات المتكررة للمنشآت النووية، التي فشلت في تحقيق نتائج حاسمة. وهذا يعزّز الاستنتاج بأن ترامب يدرك فعلياً أنه لم يتمكن من إضعاف القدرات النووية الإيرانية بالقدر الذي يعلنه.
هذا المأزق دفع ترامب أيضاً نحو تصاعد حالة عدم الثقة بمن حوله، بل إن بعض المسؤولين باتوا، في نظره، مصدر خطر عليه—سواء بسبب سوء التقدير أو الحسابات السياسية. وقد انعكس ذلك في سلسلة من الإقالات العسكرية والسياسية، كان من بينها إقالة وزيرة العمل «ديرمر».
وفي سياق موازٍ، يواجه ترامب تحدياً آخر يتمثّل في طبيعة التضاريس الميدانية، التي تفرض استخدام وسائل قتالية تقليدية—كطائرة A-10—تتفوق عملياً، رغم قدمها، على بعض أحدث التقنيات فرط الصوتية في بيئات قتالية معيّنة. وهذا يطرح تحوّلاً في معادلة القوة، من حسابات التفوق التكنولوجي البحت إلى عوامل أخرى، كالإرادة، والإصرار، والاعتبارات العقائدية، مقابل حسابات المنفعة والمصلحة.
هذه المعطيات مجتمعة تشكّل أحد عناصر تفسير مراوغات ترامب في مسار التفاوض، حيث يسعى إلى تحقيق توازن اقتصادي في ظل الضغوط الناتجة عن كلفة الحرب، والتي بدأت تنعكس على الداخل الأميركي، مع تصاعد مؤشرات التململ الشعبي نتيجة الأعباء الاقتصادية. ويضاف إلى ذلك عامل الخشية من مفاجآت إيرانية غير محسوبة، في مقابل غموض بعض الخطط الأميركية نفسها، التي قد تدفع نحو تصعيد غير مدروس في حال تعذّر إنهاء الحرب ضمن الإطار الزمني المطلوب.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
