في خضم أي صراع واسع في الشرق الأوسط، لا تبقى التداعيات محصورة بأطرافه المباشرين، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي بأسره. فالحروب الكبرى لا تعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي فقط، بل تعيد أيضاً ترتيب موازين القوة الاقتصادية والعسكرية بين الدول الكبرى، وتكشف في الوقت نفسه حدود التحالفات التي كثيراً ما تبدو صلبة في الخطاب السياسي، لكنها تتآكل عند أول اختبار فعلي.
في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران لحظة كاشفة بامتياز. فهي لم تفضح فقط هشاشة شبكات الاصطفاف الدولي، بل أظهرت أيضاً أن المصالح الوطنية تظل أقوى من الشعارات، وأن ما يُقدَّم بوصفه «شراكة استراتيجية» قد لا يتجاوز، في لحظة الحسم، حدود التضامن اللفظي والحسابات الحذرة.
روسيا والصين: تحالف الخطاب وحدود الفعل
أظهرت الأزمة أن روسيا والصين، رغم كثافة الحديث عن الشراكة مع إيران، لم تكونا مستعدتين للانتقال من الإسناد السياسي إلى المساندة الفعلية. لكن التباين بينهما واضح: فروسيا تبدو عاجزة أكثر مما هي راغبة، بينما تبدو الصين راغبة في تجنب التورط أكثر مما هي عاجزة عن الفعل.
بالنسبة إلى موسكو، فإن الحرب في أوكرانيا تستنزف قسماً كبيراً من مواردها العسكرية والاقتصادية، وتحد من قدرتها على فتح مسار دعم مباشر لإيران. ولهذا اقتصر موقفها، في معظمه، على الإدانة السياسية للهجمات والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، من دون أن يتحول ذلك إلى التزام عسكري واضح.
أما الصين، فهي تنطلق من منطق مختلف. فبكين تفضّل، تقليدياً، إدارة الأزمات من مسافة، وتحرص على حماية مصالحها الاقتصادية الكبرى وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب ملف لا تراه أولوية استراتيجية تستحق المجازفة. لذلك بدا موقفها أقرب إلى الانتظار والترقب، مع التشديد على التهدئة واحترام السيادة، من دون ترجمة ذلك إلى دعم نوعي حاسم.
لماذا لا تستطيع موسكو إنقاذ طهران؟
يثير غياب الدعم الروسي الفعلي لإيران سؤالاً جوهرياً عن حدود الدور الروسي في الإقليم. فروسيا التي سعت، خلال السنوات الماضية، إلى تقديم نفسها بوصفها قوة عظمى عائدة، لم تعد تملك من أدوات الاتحاد السوفيتي سوى شيء من الذاكرة السياسية وخطاب استعادة المكانة.
السبب الأول لذلك هو محدودية الموارد. فالاتحاد السوفييتي امتلك قاعدة اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية مكّنته من تمويل الحلفاء ودعمهم عسكرياً وسياسياً في قارات عدة. أما روسيا اليوم، فرغم امتلاكها قدرات عسكرية مهمة، فإنها لا تملك الفائض المالي والاستراتيجي الذي بالكاد يسمح لها بخوض حربها في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه رعاية حلفاء آخرين في نزاعات كبرى.
أما السبب الثاني فهو غياب المشروع الأيديولوجي الجاذب. فالسوفييت لم يعتمدوا فقط على القوة الخشنة، بل على أيديولوجيا عالمية، مهما كانت إشكالية، فقد منحتهم قدرة على بناء شبكات ولاء عابرة للحدود. روسيا المعاصرة لا تزال تحاول أن تمتلك إطاراً فكرياً عالمياً مماثلاً، بالاعتماد على أصدقاء الاتحاد السوفييتي السابق، كما أن روسيا تتحرك وفق منطق البراغماتية والمصلحة الصرف، الأمر الذي يجعل تحالفاتها أقل ثباتاً وأقرب إلى الترتيبات الظرفية.
من هنا، لا يعود غياب الدعم الروسي لإيران مجرد تفصيل تكتيكي، بل يصبح مؤشراً على طبيعة السياسة الخارجية الروسية نفسها: نفوذ محدود، وقدرة انتقائية، وتحالفات لا ترقى إلى مستوى الضمانات الصلبة.
الحذر الروسي: شراكة بلا تحالف ملزم
لا تزال روسيا المعاصرة تحاول، بدرجات متفاوتة، أن تحافظ على حضور فكري وسياسي في النظام الدولي مستندةً إلى بعض إرث الاتحاد السوفييتي وعلاقاته القديمة مع دول كانت تُعدّ ضمن معسكر حركات التحرر الوطني. غير أن هذا المسعى يظل محدوداً، لأن موسكو لا تتحرك اليوم وفق مشروع أيديولوجي عالمي كما كان الحال في الحقبة السوفييتية، بل وفق منطق المصلحة البراغماتية وإدارة التوازنات. ولهذا تبدو تحالفاتها في كثير من الأحيان أقل ثباتاً وأقرب إلى ترتيبات ظرفية تحكمها الحسابات الاستراتيجية الآنية.
ويتجلى هذا الحذر بوضوح في العلاقة مع إيران. فموسكو تتعامل مع طهران بوصفها شريكاً مهماً في بعض الملفات، لا حليفاً عضوياً يمكن الاندماج معه في تحالف دفاعي كامل. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى الإرث التاريخي المعقّد للعلاقات بين الطرفين. فقد خاضت روسيا القيصرية حروباً مع بلاد فارس في القرن التاسع عشر انتهت بتوقيع معاهدتي غوليستان (1813) وتركمانشاي (1828)، اللتين كرّستا توسع النفوذ الروسي في القوقاز على حساب إيران. كما أن الإيرانيين لا ينسون واقعة الاحتلال الأنغلو-سوفييتي لإيران عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، حين دخلت القوات البريطانية والسوفييتية البلاد وسيطرت على أجزاء واسعة منها.
في المقابل، تنظر موسكو أيضاً بعين الحذر إلى بعض الأبعاد الإيديولوجية في السياسة الإيرانية. فتمدد النفوذ الديني الشيعي في بعض مناطق القوقاز أو في الجمهوريات السوفييتية السابقة قد يُنظر إليه في روسيا باعتباره عاملاً قد يثير حساسيات أمنية داخلية، ولا سيما في ظل التجارب الصعبة التي خاضتها الدولة الروسية مع الحركات المسلحة ذات الخلفية الدينية خلال حربي الشيشان في التسعينيات وبداية الألفية.
لهذه الأسباب تميل موسكو إلى اتّباع سياسة تعاطٍ هادئ ومتدرج مع إيران، تقوم على توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري المحدود من دون الوصول إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم. ويؤكد ذلك مضمون معاهدة الشراكة الاستراتيجية الروسية-الإيرانية التي وُقّعت في موسكو في كانون الثاني 2025. فعلى الرغم من أنها تنص على توسيع التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين، فإنها لا تتضمن بنداً واضحاً للدفاع المشترك أو التزاماً بالتدخل العسكري في حال تعرّض أحد الطرفين لهجوم.
ولا يبدو غياب هذا البند تفصيلاً قانونياً عابراً، بل يعكس طبيعة العلاقة نفسها. فكل من موسكو وطهران فضّل الحفاظ على مستوى من الشراكة الاستراتيجية المرنة، من دون تحويلها إلى تحالف عسكري صريح قد يفرض التزامات ثقيلة أو يحدّ من حرية الحركة السياسية لكل طرف. وبذلك تبقى العلاقة بين البلدين قائمة على قاعدة واضحة: تقارب في المصالح وتعاون في بعض الملفات، لكن من دون اندماج استراتيجي كامل أو ضمانات دفاعية متبادلة.
خطأ إيراني في حساب العلاقة مع موسكو
تكشف الأزمة أيضاً عن خلل في التقدير الإيراني نفسه. فطهران، رغم توقيعها اتفاقية شراكة استراتيجية مع موسكو، لم تحصّن هذه العلاقة ببند دفاع متبادل واضح، على غرار ما فعلته روسيا في ترتيباتها مع أطراف أخرى. وبهذا المعنى، يبدو أن إيران راهنت على القيمة السياسية للاتفاق أكثر مما ضمنت فعاليته العسكرية.
هذا الغياب لبند المساعدة العسكرية في حال العدوان جعل الاتفاق أقرب إلى إطار تعاون سياسي واقتصادي منه إلى تحالف دفاعي فعلي. وعندما اندلعت الحرب، ظهر سريعاً أن اللغة العالية التي أحاطت بالعلاقة الروسية ـ الإيرانية لم تكن كافية لإنتاج التزام عملي على الأرض.
لقد أخطأت طهران، على ما يبدو، حين افترضت أن التقارب مع موسكو يكفي وحده لردع خصومها، أو على الأقل لرفع كلفة استهدافها. لكن الحرب أثبتت أن العلاقات الدولية المعاصرة لا تُقاس فقط بمستوى الخطاب، بل بمدى وجود التزامات صريحة قابلة للتفعيل ساعة الأزمة.
موسكو بين العجز العسكري والمكاسب غير المباشرة
ورغم هذا العجز عن تقديم دعم مباشر، فإن روسيا ليست خارج دائرة الاستفادة من الحرب. بل إن أحد أكثر أوجه المفارقة في الأزمة يتمثل في أن موسكو قد تكون من أبرز المستفيدين غير المباشرين منها، ولو مرحلياً.
فالحرب الحديثة تستنزف سريعاً مخزونات الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي، وهي منظومات لا يمكن تعويضها بسرعة، لأن إنتاجها يحتاج إلى وقت طويل وسلاسل تصنيع معقدة. وإذا طال أمد المواجهة، فإن ذلك يعني ضغطاً متزايداً على المخزون الأميركي من الصواريخ الهجومية والدفاعية، وهي نفسها منظومات تحتاجها واشنطن أيضاً لدعم أوكرانيا ولإدارة التزاماتها العسكرية في أكثر من ساحة.
ومن هذه الزاوية، يمنح انخراط الولايات المتحدة في جبهة جديدة موسكو هامشاً استراتيجياً مهماً. فكلما تركز الجهد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، تراجعت القدرة على الحفاظ على الوتيرة نفسها من الانخراط في ساحات أخرى، وفي مقدمتها أوكرانيا.
النفط والغاز: الجائزة الاقتصادية للحرب
إلى جانب الاستنزاف العسكري، يبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد أهم أوجه المنفعة الروسية. فالشرق الأوسط يمثل مركزاً حيوياً في منظومة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع فيه ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز، سواء بفعل تراجع الإمدادات أو بسبب المخاوف المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
بالنسبة إلى روسيا، يشكل هذا التطور فرصة ثمينة. فارتفاع أسعار النفط والغاز يعني زيادة العائدات المالية لدولة يعتمد اقتصادها، إلى حد كبير، على صادرات الطاقة. كما أن أي ارتباك في تدفقات الطاقة من الخليج قد يدفع بعض المشترين إلى البحث عن بدائل، حتى لو كانت خاضعة لعقوبات أو محاطة بقيود سياسية.
وهنا تتقاطع الأزمة مع التوجه الروسي المعلن منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، والقائم على البحث عن أسواق جديدة للنفط والغاز خارج أوروبا. فكلما تعطلت الإمدادات في الشرق الأوسط، ازدادت أهمية الموردين القادرين على سد جزء من النقص، وهو ما يمنح موسكو متنفساً اقتصادياً إضافياً، ويخفف من أثر الضغوط الغربية عليها.
لكن المكسب الروسي ليس مضموناً
مع ذلك، فإن الحديث عن روسيا بوصفها «المستفيد الأكبر» لا يخلو من تبسيط. فهذا التوصيف قد يكون صحيحاً في المدى القصير، عندما ترتفع أسعار الطاقة وتُستنزف الموارد العسكرية الأميركية، لكنه يصبح أقل يقيناً إذا تغيّرت نتائج الحرب جذرياً.
فإذا انتهت الأزمة إلى إضعاف إيران بصورة حادة، أو إلى انهيار داخلي، أو إلى قيام نظام أكثر قرباً من واشنطن، فإن روسيا ستواجه خسارة استراتيجية كبيرة. فإيران ليست فقط شريكاً سياسياً، بل تمثل أيضاً ركناً مهماً في ممر «الشمال ـ الجنوب»، الذي تراهن عليه موسكو في ربط تجارتها بالمحيط الهندي وتجاوز الاختناقات التي فرضتها المواجهة مع الغرب.
وأي تفكك في إيران أو انزلاقها إلى فوضى ممتدة قد يفتح الباب أمام اضطرابات أوسع في بحر قزوين وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ويحوّل المكسب الاقتصادي الآني إلى عبء أمني طويل الأمد على الجوار الجنوبي الروسي.
تداخل الصراعين: إيران وأوكرانيا
لا يمكن فهم الحرب على إيران بمعزل عن الحرب في أوكرانيا. فكلما طال الصراع في الشرق الأوسط، ازداد احتمال إعادة توزيع الأولويات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية. وهذا لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن كييف، لكنه يعني أن إدارة الموارد ستصبح أكثر تعقيداً، وأن قرارات التسليح والدعم ستخضع لضغوط أشد.
ومن هذا المنظور، تبدو موسكو مستفيدة مرتين: مرة عبر ارتفاع عائدات الطاقة، ومرة عبر احتمال تراجع كثافة الدعم العسكري النوعي لأوكرانيا، ولو بصورة مؤقتة. لكن هذه الاستفادة تبقى مشروطة ببقاء الأزمة ضمن حدود الاستنزاف، لا التحول الجذري الذي يفضي إلى سقوط إيران أو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية ضد المصالح الروسية والصينية معاً.
أوروبا واختبار البطء الاستراتيجي
الأزمة كشفت كذلك حدود التماسك الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي وجد نفسه، مرة أخرى، بين ضرورات متعارضة: الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة، التمسك بالقانون الدولي، والخشية من ارتدادات اقتصادية وأمنية واسعة لأي انفجار كبير في الشرق الأوسط.
وقد بدا الموقف الأوروبي متردداً وبطيئاً، وهي سمة تتكرر في الأزمات الكبرى حين تتعدد أولويات الدول الأعضاء وتختلف حساسياتها السياسية. لذلك لم ينجح الاتحاد في تقديم موقف حاسم وسريع بقدر ما قدّم صياغات عامة تميل إلى التهدئة وضبط النفس، من دون أن تحسم التناقضات الكامنة في الداخل الأوروبي نفسه.
حرب تكشف أكثر مما تحسم
في المحصلة، لا تكشف الحرب على إيران عن مآلات الشرق الأوسط فقط، بل تكشف أيضاً عن بنية النظام الدولي في صورته الراهنة. فهي تؤكد أن التحالفات لم تعد صلبة كما كانت في زمن الاستقطاب الأيديولوجي، وأن الدول الكبرى باتت أكثر ميلاً إلى إدارة المخاطر وتفادي الكلفة المباشرة، حتى عندما يتعلق الأمر بشركاء يوصفون بأنهم استراتيجيون.
أما روسيا، فتقف في قلب هذه المفارقة: عاجزة عن إنقاذ إيران عسكرياً، لكنها قادرة على الاستفادة من استنزاف خصومها وارتفاع أسعار الطاقة. غير أن هذه الاستفادة نفسها قد تنقلب إلى خسارة إذا انتهت الحرب إلى تقويض إيران بوصفها شريكاً وممراً وجداراً جيوسياسياً على تخوم المجال الروسي.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت موسكو تستفيد من الحرب الآن، بل ما إذا كانت هذه الفائدة قابلة للاستمرار. ففي الأزمات الكبرى، قد يتحول الربح السريع إلى خسارة استراتيجية، وقد يصبح ما يبدو مكسباً في لحظة معينة بداية لاختلال أعمق في توازنات القوة والمصالح.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
