حسناً فعل الأسد الأب، في العشرين من تموز 1976، حين ظهر عبر إطلالة تلفزيونية مصوَّرة، قاطعاً الشكّ باليقين، لا لجيله فحسب، بل للأجيال الأسدية القادمة، إذ أفصح ـ أو هكذا بدا ـ عن أسباب دخوله لبنان والأهداف الكامنة وراء ذلك الدخول، أو على الأقلّ تلك المُعلنة منها. فإذا به، وبمنطق السرديّات الذي دأب عليه النظام البعثي، طيّب الذكر، يتحدّث وبالفم الملآن عن المجتمعين في عرمون، ممّن كانوا يُسمَّون بالحركة الوطنية آنذاك، أولئك القابعين على طرفي نقيض مع الجبهة اللبنانية (الكتائب، الأحرار، والمردة)، وعن توسّل وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام إليهم، طالباً أن يتكرّموا عليه بالتواصل مع الرئيس سليمان فرنجية، لوقف «زحف مقاتلي الكتائب المتقدّمين على كل الجبهات».
وهكذا، لم يكن دخول الأسد إلى لبنان ـ بحسب الرواية الرسمية ـ إلا فعلَ «نجدةٍ» لحماية الإخوة الفلسطينيين وحلفائهم في الحركة الوطنية من «عناصر الكتائب اللبنانية». طبعاً، من دون أي إشارة عابرة إلى الأطماع السورية التاريخية في «الوطن الصغير»، تلك الأطماع التي لم تستسغ يوماً استقلال لبنان ولا انفصاله عن الجغرافيا السورية المتخيّلة. كما لم يتطرّق إلى حقيقة وجوده العسكري في لبنان تحت مسمّى قوات «الصاعقة»، التي تأسست عام 1966، قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية، وذراعاً لصيقة بالحكم البعثي وأدواته.
ولا شكّ في أن الجارتين اللدودتين للبنان، أي سوريا الأسد والكيان الصهيوني، لم تكونا يوماً في حالة عداوة حقيقية، بل على العكس، كان «شهر العسل» بينهما ممتداً وهادئاً، ترعاه المصالح المشتركة: قضم أجزاء من لبنان، والنهل من مقدّراته، وتهويد القضية الفلسطينية عبر تحويل لبنان إلى «الوطن البديل»، إراحةً للكيان العبري الناشئ، ومن دون إزعاج يُذكر للأسد الأب، ثم الابن. ولعلّ أبرز تجلّيات هذا الوفاق الصامت، ذلك الهدوء المريب والاسترخاء المزمن على طرفي حدود الجولان المحتل، ومعها المزارع المكتومة القيد.
وقد تكون الكتائب اللبنانية، بوصفها المكوّن الأبرز في الجبهة اللبنانية، الأكثر إزعاجاً لذلك الحلف الأسدي–الصهيوني غير المُعلن؛ سواء في مواجهتها للفلسطينيين، الذين اعتبرتهم يوماً جيشهم قبل أن ينقضّوا عليهم، أو في وقوفها سدّاً منيعاً في وجه الحلم الدفين بضمّ ما تيسّر من بلاد الأرز. وهو ما يفسّر دخول حافظ الأسد إلى لبنان في إطار صفقة سرّية مع إسرائيل، ممثّلةً آنذاك بنائب رئيس وزرائها يغآل ألون، ضمن ضوابط وهوامش مرسومة بدقّة، حفاظاً على ماء الوجه، وخشية انكشاف مسرحية العداء الهزلية، و«صفة الدولة الممانعة»… وما أكثر هزلية بعض الممانعين.
لعلّه من المفيد، اليوم، أن نقرأ شيئاً من التاريخ لنستذكر بالخير بعض من رحلوا، ولا سيّما أولئك الذين كانوا فعلاً حرّاس الكيان. على أن لا ننسى، في المقابل، أن نقرأ الفاتحة على أنظمة ورؤساء باتوا من الماضي، مع دعاءٍ صادق بأن تخرج أفعالهم، هم أيضاً، من التاريخ.

د. جو سلوم
نقيب صيادلة لبنان السابق وعضو المكتب السياسي الكتائبي.
