سباق الساعات الأخيرة: قوّة تقابل عناداً… وعناد يقابل قوّة

تسابقت العواصم، من واشنطن إلى طهران، مروراً بإسلام آباد، في سباقٍ محموم مع الزمن، بينما تقترب عقارب الساعة من طيّ الصفحة الأخيرة لـ”مهلة الجحيم” التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب. فقد استنفرت الدبلوماسية أقصى طاقاتها أمام مشهدٍ لا يقبل القسمة على اثنين: إمّا ولادة قيصرية لاختراق سياسي من رحم التصعيد، وإمّا زلزال عسكري يبدأ باستهداف الشرايين الحيوية للبنى التحتية، ليتحوّل إلى حريقٍ شامل يتجاوز بلهيبه ضفاف مضيق هرمز.

وفي ظل هذا التوتر المتصاعد، ومع حشود عسكرية وخطط جاهزة للتنفيذ، برزت مبادرة تقودها باكستان بوصفها فرصة أخيرة لاحتواء الانفجار. هذه المبادرة، التي يُشرف عليها قائد الجيش الباكستاني، تسعى إلى فرض اتفاق يُصاغ تحت ضغط المواجهة، ويهدف إلى وقف العمليات العسكرية وفتح شرايين الطاقة العالمية، في وقتٍ يتأرجح فيه الشرق الأوسط على حافة انهيار الثقة وتضارب الحسابات السياسية.

وتشير التقارير إلى دور مباشر وحاسم يلعبه قائد الجيش الباكستاني عبر قنوات اتصال مفتوحة مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لإعادة توجيه مسار الأزمة. ولا يقتصر هذا الحضور العسكري الباكستاني على الوساطة، بل يتجاوزها إلى تقديم ضمانات ميدانية لطرفين يفتقران إلى الحد الأدنى من الثقة، ما يضع إسلام آباد في موقع “الضامن التنفيذي” لأي تفاهم محتمل.

وتقوم الخطة على جدولٍ زمني صارم يبدأ بوقفٍ فوري لإطلاق النار، يتبعه مسار تفاوضي مكثّف يمتد لأسابيع قليلة بهدف التوصّل إلى اتفاق شامل ينهي المواجهة ويعيد رسم قواعد الاشتباك.

والجديد في هذه المقاربة يتمثّل في وضع الملف النووي الإيراني في قلب التسوية، عبر طرح التخلي عن عناصر القوة النووية مقابل رفع شامل للعقوبات وتحرير الأصول المالية، ما يجعل الطرح أقرب إلى معادلة “الكل أو لا شيء”.

ويضع هذا الطرح إيران أمام خيار مصيري: إمّا المقايضة بين نفوذها النووي وإنعاشها الاقتصادي، وإمّا الاستمرار في سياسة حافة الهاوية التي قد تستفز الولايات المتحدة لتنفيذ تهديداتها بضرب منشآتها الحيوية خلال وقت قياسي.

وفي موازاة ذلك، تسعى المبادرة إلى نقل المواجهة من ساحات الاشتباك إلى طاولة مفاوضات مباشرة في إسلام آباد، في محاولة لإضفاء طابع رسمي ودولي على الحل، وتحويل الوساطة إلى منصة اتفاق نهائي. غير أن هذا المسار يصطدم بجدارٍ صلب من الشكوك، إذ يرى مراقبون أن انعدام الثقة بين الطرفين يُفرغ أي ضمانات من مضمونها.

وتكمن الهوّة الأساسية في التباين الجذري في المقاربات؛ فطهران ترفض أي وقف تدريجي لإطلاق النار، فيما تصر واشنطن على انتزاع تنازلات فورية قبل تقديم التزامات دائمة. وتُبقي هذه الفجوة فرص التوصّل إلى حل سريع شبه معدومة، ولا سيما في ظل تصاعد خطاب التحدّي من قبل الجانبين.

وفي هذا السياق، تبدو المعادلة واضحة: قوّة وعناد في مواجهة بعضهما البعض. فالدول التي ترفض الهزيمة لا ترى في الضمانات سوى قيود، بينما القوى الساعية إلى فرض نصر حاسم لا تقبل بمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم.

ورغم تمديد المهلة لساعات إضافية، لم تظهر مؤشرات حقيقية على اختراق قريب، إذ تتمسك طهران بأوراقها التفاوضية، من برنامجها النووي إلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز، ومنه باب المندب، رافضة الخضوع للضغوط أو الالتزام بمواعيد نهائية. في المقابل، تواصل واشنطن التصعيد، معتبرة أن عامل الوقت جزء من أدوات الضغط الاستراتيجي.

ويعكس الخطاب الإيراني تمسّكاً باستراتيجية النفس الطويل، حيث يُنظر إلى المفاوضات غير المباشرة بوصفها أمراً طبيعياً حتى في ذروة الأزمات، مع رفض واضح لأي محاولة لفرض شروط مسبقة. كما تصف طهران التهديدات الأميركية بأنها تجاوز لكل الخطوط الحمراء، ما يعزّز مخاوفها من أن أي هدنة مؤقتة قد تكون مجرد تمهيد لضربة أوسع.

وفي خضم هذا التوتر، تتصاعد التحذيرات من سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها اعتماد استراتيجية “الأرض المحروقة”، التي قد تشمل استهداف منشآت الطاقة والمياه في الخليج، ما يعني توسيع رقعة الصراع وتحويله إلى مواجهة إقليمية شاملة تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

لطالما كان الصراع يتأرجح بين الدبلوماسية والميدان، إلا أنه اليوم ينسلخ تدريجياً عن أروقة التفاوض ليُدار بمنطق الحسم الوجودي وكسر الإرادات. وفي هذا المستوى من المواجهة، لا تُقاس القوة بحجم الترسانة فحسب، بل بالقدرة على تجريد الخصم من خياراته الاستراتيجية وإرغامه على القبول بواقع تفرضه قوة الفعل لا مرونة التسوية.

إنها مرحلة تكتسب فيها اللغة العسكرية صرامة الميدان، حيث لا ضجيج أقوى من ضجيج تفكيك عناصر القوة لدى الآخر، وإعادة صياغة موازين القوى عبر الردع المطلق.

ومع اقتراب لحظة الحسم، يقف العالم أمام مفترق طرق حاد: إمّا اتفاق يعيد رسم ملامح المنطقة، وإمّا انفجار يفتح أبواب مرحلة جديدة من الفوضى.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.