هل يكون «مشروع العفاف والحجاب» آخر ستار قبل سقوط النظام الإيراني؟

في الأوضاع القلقة وغير المستقرة، فإنّ الهدوء غير العادي الذي يدفع إلى الشعور بالوحشة والخوف، في أغلب الأحيان، يشبه وحشة وخوفَ من ارتكب جريمةٍ والظنون تتقاذف به احتمالات الاعتقال والوقوع تحت طائلته. هذا الهدوء الذي يفرض نفسه على هذه الأوضاع يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، لا سيما إذا شعر النظام نفسه محاطًا بدائرة مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة في الداخل وضغوط متزايدة من الخارج.

الوضع الذي بلغَه النظام يُعدّ استثنائيًا وغير مسبوق طوال الـ46 عامًا الماضية، حيث تحوّلت عمليات القمع السياسي والاجتماعي والنزعة التوسعية خارج الحدود إلى هزّات يومية تهزّ النظام. ويترافق هذا مع تصاعد هائل في التناقضات داخل منظومة الحكم، التي لم تعد تقتصر على الالتفاف حول الوليّ الفقيه فحسب؛ بل في بعض الحالات أصبح الوليّ الفقيه نفسه وممارساته السابقة في السياسة الداخلية والخارجية موضوعًا للنزاع.

مخلفات أخطاء سياساتٍ متراكمة لأكثر من أربعة عقود والأزمات المترتبة عليها، وحالة الاحتقان السائدة في أرجاء إيران نتيجةً للطريق المسدود الذي وصلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، توفّر أجواءً مواتيةً لاندلاع احتجاجات استثنائية قد تعصف بالنظام. وهذه حقيقة يدرِكها القادة والمسؤولون ولا يستطيعون تجاهلها، وهم في مثل هذا الموقف يحتاجون إلى «طبخة» أو سيناريو ما لتغيير مسار الأحداث، بل وحتى لنقل جوهر القضية من مسألة بقاء النظام إلى تسوية المسائل العالقة.

من هنا، فإنّ إطلاق الأخبار والهمسات حول إعادة إحياء الإرث الميت لـ«مشروع العفاف والحجاب» وتدريب «80 ألف شخص» لتنفيذه، يُعدّ إحدى مناورات صرف الانتباه عن الواقع المضطرب والهاوية التي يواجهها النظام. الهدف من ذلك تحويل الأنظار عن القضية الأساسية بين المجتمع والنظام، حتى لو اضطرّ الأخير لدفع ثمن سياسي واجتماعي باهظ. الحقيقة أنّ إعادة طرح قضية تجاوزه المجتمع ستخلق أزمة أوسع من ذي قبل.

في هذا السياق، تناولت صحيفة «آرمان ملي» في عددها الصادر بتاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2025 خلفيات هذه المسألة، معربةً عن خشيتها من الآثار السياسية والاجتماعية الخطيرة لإطلاق هذا المشروع. التحذير الأول الذي ورد فيها هو الذاكرة التاريخية للمجتمع الإيراني وجاهزيته للانفجار في الظروف الراهنة: «جراح 2022 لم تلتئم بعد. إيران اليوم ليست إيران 2017 ولا حتى إيران 2022؛ فالأزمة الاقتصادية أعمق، والأثمان المدفوعة أكبر، والمجتمع أصبح أكثر حساسية وأسرع تفاعلًا».

ويطرح السؤال نفسه: من أين استنتجت وسائل الإعلام الحكومية أنّ المجتمع صار «أكثر حساسية وأسرع تفاعلًا»؟ الإجابة تكمن في الوضع القائم بين المجتمع والنظام؛ «مجتمعٌ تجاوز حاجز الصمت لا يمكن احتواؤه بالتعاميم والتهديدات». هذا نفس المسار الذي تكرّر في عام 2022 بحدة ونطاق أكبر، وهو ما يؤكّد الحاجة الملحّة إلى تغيير في ظل حالة الجمود الفكري والعقائدي والسياسي التي وصل إليها النظام. مع ذلك، لا بدّ من ملاحظةٍ مهمة: نطاق هذه المرحلة يختلف اختلافًا كبيرًا عن نطاق عام 2022، إذ باتت الصورة الآن أوضح جدًّا، وتوفرت معظم مقومات وأسباب التغيير في إيران، بل إن الأوضاع الراهنة أسوأ مما كانت عليه في العام الذي سبق الثورة الإيرانية؛ ولذلك ستكون أيّ سيناريوهات أو ألعاب قد يفكّر النظام في تنفيذها لتغيير مسار الأمور أسوأ بكثير من تلك التي قام بها نظام الشاه في أيامه الأخيرة، ولن تُسفر سوى عن خيبات وهزائم أكبر.

في الختام، ما هو جليّ وواضح أنّ خامنئي لا يملك القدرة على التخلص من الأزمات الهيكلية والقاتلة. فالنظام يواجه اقتصادًا منهارًا، وسياسةً في طريق مسدود، ومجتمعًا على أعتاب الانفجار، وإقليمًا في الشرق الأوسط ابتعد عن محور طهران. نظامٌ فقد شرعيته وتماسكه وقوته القمعية السابقة، لم يعد قادرًا على ضمان بقائه عبر الترهيب أو الخداع. إنّ مستقبل هذا الحكم الظالم لن يُكتَب في استمرار بقائه، بل في سقوطه الحتمي الذي لا مفرّ منه — سقوطٌ قد يتحقق بقيام الشعب الإيراني والدور الفاعل للمقاومة المنظمة.

مقالات الكاتب

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني