لبنان أمام لحظة الحقيقة: كيف يحفظ الجنوب سيادته بعد حرب غزة؟

 

بعد عامين من النار والدمار في غزة، دخل العالم لحظةً سياسيةً فارقة، أدرك فيها أن صمت المدافع لا يعني نهاية الحرب، بل بداية معركة أكثر تعقيدًا: معركة الخرائط والتسويات.

فالصمود الغزّي، الذي تحدّى القصف والحصار، لم يكتفِ بتغيير موازين القوة الميدانية، بل دفع القوى الدولية إلى إعادة حساباتها في الشرق الأوسط، وفتح باب “اليوم التالي” على أسئلةٍ تتجاوز غزة لتبلغ جنوب لبنان.

في شرم الشيخ، حيث اجتمع ملوك ورؤساء ووزراء ومسؤولون عرب ودوليون، لم يعد النقاش يدور حول وقف الحرب، بل حول من يحكم وكيف تُعاد صياغة الحدود والأمن في الإقليم. ورغم غياب لبنان الرسمي عن الطاولة، كان حضوره قائمًا في الخطاب الأميركي داخل الكنيست الإسرائيلي، بما يعكس إدراكًا دوليًا أن “اليوم التالي لغزة” لا يمكن أن يكتمل من دون لبنان وحدوده الجنوبية، وأن التسويات المقبلة ستشمل جبهتين: غزة أولًا، والجنوب اللبناني ثانيًا.

يتحرّك لبنان اليوم فوق حقل ألغام سياسي وأمني. فالمخاوف من طرح “منطقةٍ عازلةٍ جنوب الليطاني” لم تعد مجرّد سيناريو، بل أصبحت بندًا في نقاشات بعض العواصم الغربية، التي تبحث في إمكان إعادة تعريف قواعد الانتشار والقوة الدولية، وربما استبدال اليونيفيل بترتيباتٍ أمنيةٍ جديدة. وتتحدث إشاراتٌ دبلوماسية لبنانية عن رسائل أميركية غير معلنة، مفادها أن واشنطن بدأت التفكير في مستقبل الجنوب اللبناني على غرار ما يُبحث لغزة.

ويزداد القلق مع وصول السفير الأميركي الجديد، ميشال عيسى، إلى بيروت، في لحظةٍ تشهد تسريعًا للبحث عن ترتيباتٍ تتجاوز الاستقرار المؤقّت إلى هندسةٍ سياسيةٍ دائمة. فالمطلوب، كما يُقرأ بين السطور، ليس فقط تجنّب الحرب، بل إعادة تشكيل البيئة الأمنية، وربما فرض خياراتٍ تُرغم لبنان على إعادة ضبط معادلته الدفاعية.

في هذا المشهد، يبرز سلاح حزب الله بوصفه العقدة الأكثر حساسية.
فإسرائيل، كما كشفت بعض التقارير في صحفها، لم تعد تكتفي بالردع التقليدي، بل تسعى إلى ترسيخ “واقعٍ أمنيٍ جديد” يُقيّد حركة الحزب ويُعيد تعريف قواعد الاشتباك. وفي المقابل، يتمسّك الحزب بمعادلة “الردع لحماية السيادة”، رافضًا تحويل الجنوب إلى نسخةٍ عن غزة، أو الدخول في مسار نزع القوة تحت الضغط الدولي.

وبين هذين الخطّين، يقف لبنان أمام سؤالٍ جوهري: هل يستطيع الحفاظ على توازنٍ دقيقٍ بين الدفاع والسيادة، من دون السقوط في فخّ التدويل؟

في الكواليس، تعود أسماء بعض مستشاري الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، إلى الواجهة، مع أحاديث عن نسخةٍ محدَّثة من “صفقة القرن”، لا تقتصر على فلسطين فقط، بل تمتد إلى لبنان وسوريا تحت عنوان: “الاستقرار مقابل التنازلات”.

الخشية اللبنانية أن يُدرج الجنوب ضمن صفقةٍ إقليميةٍ أكبر، تُفرض بأدواتٍ اقتصاديةٍ وعقوباتٍ سياسية، وتُقدَّم بغطاءٍ دولي تحت شعار “ضمان الأمن”.

ورغم تعقيد المشهد، تبقى غزة هي الفاصل الأخلاقي والسياسي.
فصمودها، رغم فداحة المجزرة، أربك العواصم الغربية وكشف حدود خطابها الإنساني، وأحرج قادتها الذين هرعوا إلى شرم الشيخ، ليكونوا شهودًا على وقف الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أهل غزة من جهة، ولحماية مكاسبهم السياسية أمام جماهير العواصم المنتفضة تضامنًا مع غزة من جهةٍ أخرى.

لم يعد ممكنًا تبرير استمرار الحرب تحت مسمّى “محاربة الإرهاب”، بعدما ظهر أن الشعوب، لا الجيوش وحدها، قادرة على قلب المعايير.

هذا الصمود حمّل لبنان مسؤولية إضافية: أن يتجنّب الانقسام الداخلي، وألّا يسمح بأن تتحول قضيته إلى ورقةٍ في صفقات الخارج، وأن يُطلق فورًا حوارًا وطنيًا حول استراتيجية الأمن الوطني التي دعا إليها خطاب العهد والبيان الوزاري، حفاظًا على السيادة من دون استحضار هواجس الحرب الأهلية، وأن يكون ذلك موازيًا لتنفيذ القرارات الحكومية الصادرة في آب وأيلول الماضيين.

إن “اليوم التالي” ليس حدثًا سياسيًا يُفرض من الخارج، بل اختبارٌ داخليٌ للخيارات الوطنية. فإذا كانت غزة قد خرجت من تحت الركام أكثر تمسّكًا بحقها، فإن لبنان مدعوّ إلى استخلاص العبرة: ألّا يكون الجنوب مجرد مساحة تفاوض في خرائط الآخرين، بل جزءًا من سيادةٍ وطنيةٍ تُصان بالحوار والقرار، لا بالانتظار.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.