في ظلّ ما يعيشه لبنان من انهيار سياسي واقتصادي غير مسبوق، وبعد أن أُزهقت أرواح الآلاف، ودُمّرت قرى بأكملها، وهُجّر أكثر من مليون مواطن من منازلهم، يقف اللبناني اليوم أمام مشهد قاتم يختصر سنواتٍ طويلة من الفشل المتراكم، وسوء الإدارة، وانعدام المسؤولية.
في خضمّ هذه المأساة، لا يبدو أنّ الطبقة السياسية قد استوعبت حجم الكارثة أو خطورة المرحلة. على العكس، تستمرّ محاولات تسجيل النقاط السياسية الضيّقة، وترسيخ المواقع، والحفاظ على الكراسي، في مشهد يكاد يكون منفصلًا بالكامل عن معاناة الناس ووجعهم اليومي. وكأنّ ما يحدث لا يعنيهم، أو كأنّ الوطن لم يصل بعد إلى حافة الانهيار الكامل.
أمام هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل آن الأوان للجوء إلى المجتمع الدولي، وتحديدًا إلى الأمم المتحدة، وطلب وضع لبنان تحت مظلّة الفصل السابع؟
إنّ هذا الطرح، على خطورته، لم يعد مجرّد فكرة هامشية، بل أصبح تعبيرًا واضحًا عن فقدان الثقة الكامل بالقدرة الداخلية على الإصلاح. فالدولة التي تعجز عن حماية شعبها، أو تأمين أبسط مقومات العيش الكريم، أو حتى إدارة أزماتها المتفاقمة، تفتح الباب أمام خيارات كانت، حتى وقت قريب، من المحرّمات السياسية.
غير أنّ اللجوء إلى الفصل السابع ليس قرارًا بسيطًا، ولا خطوة خالية من التبعات. فهو يعني عمليًا إدخال لبنان في مرحلة من الوصاية الدولية، حيث تصبح قراراته السيادية عرضة لإرادة مجلس الأمن وتوازنات القوى العالمية. كما أنّ تجارب دول أخرى تُظهر أنّ مثل هذه الإجراءات لا تؤدي بالضرورة إلى استقرار سريع، بل قد تفتح فصولًا جديدة من التعقيد والتوتر، وربما تُدخِل البلاد في مسارات طويلة من عدم اليقين السياسي والأمني.
ومع ذلك، فإنّ مجرّد طرح هذا الخيار يعكس عمق الأزمة التي بلغها لبنان، وحجم الهوّة المتزايدة بين الشعب وقياداته. فحين يفقد المواطن الأمل بأي إصلاح داخلي، يصبح البحث عن حلول خارجية، مهما كانت قاسية، أمرًا مفهومًا، وإن لم يكن مثاليًا أو خاليًا من المخاطر.
إنّ المسؤولية اليوم تقع أولًا وأخيرًا على عاتق القوى السياسية، التي لا تزال تمتلك فرصة — ربما أخيرة — للخروج من حساباتها الضيّقة، والارتقاء إلى مستوى التحديات المصيرية التي تهدّد وجود الدولة نفسها. فلبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من الهدر والإنكار، ولا مزيدًا من الصراعات العبثية على حساب شعب أنهكته الأزمات المتلاحقة.
إمّا أن يكون هناك مسار إنقاذ حقيقي من الداخل، يعيد بناء الثقة ويضع البلاد على سكة التعافي، وإمّا أن يستمرّ الانحدار نحو المجهول، حيث تصبح كلّ الخيارات مفتوحة، حتى تلك التي كانت يومًا من المحظورات السياسية، في لحظة تاريخية قد تحدّد مصير الدولة اللبنانية لسنوات طويلة مقبلة.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
