تعليقاً على قانون التمديد لأعضاء مجلس النواب الحالي: «لا ثقة». ففي زمن الحروب والأزمات الاقتصادية تُختَبَر قوة المؤسسات الدستورية وحجم المسؤولية التي يتمتع بها أعضاؤها. أما في لبنان، ومع كل أزمة، فينكشف مستوى أعمق من اختلال البوصلة السياسية، وتتبدّى بوضوح إشكالية جوهرية تتعلّق بصحة تمثيل الشعب، وهو مصدر السلطات.
فالبرلمان، الذي يُفترض أن يكون صوت ضمير المجتمع في لحظات الخطر، بات في نظر كثيرين مجرد مؤسسة تُدير توازنات السلطة داخل نظام يحمي أحزاب لبنان، فيما تتراجع قضايا الناس إلى المرتبة الأخيرة على سلّم الأولويات.
ولعل أخطر ما يميّز المرحلة الراهنة ليس قراراً سياسياً بعينه، بل انقلاباً كاملاً على المفاهيم الدستورية والقانونية. ففي الوقت الذي تتعرّض فيه البلاد للحرب والانهيار الاقتصادي، تُتّخذ القرارات الكبرى وكأنها شأن إداري عادي، مع تعمّد إغفال أن النقاش يدور حول مسائل مصيرية تتعلّق بمستقبل أمن الدولة وسلامة المجتمع في آنٍ معاً.
والأسوأ من ذلك كلّه أن من يتصدّى للتبرير وتجميل ما هو قبيح هم فئة من النواب وأتباعهم، ممّن كان يُفترض بهم أن يُجسّدوا صوت الناس داخل القبة البرلمانية، فإذا بهم، ونتيجة السعي المستمر إلى تثبيت مواقع السلطة، يتحوّلون من ممثّلين للشعب إلى مبرّرين دائمين لقرارات السلطة التي يفترض أنهم دخلوا البرلمان لمواجهتها.
الأمن الوطني بين الحكومة والبرلمان
في الأيام الأخيرة، وخلال العدوان، أصدرت السلطة التنفيذية مواقف سياسية رسمية تناولت مسألة «سلاح المقاومة» ودورها في المعادلة اللبنانية. وقد جرى تقديم هذه المسألة في الخطابات السياسية بوصفها قضية تتعلّق باستعادة هيبة الدولة المستباحة يومياً من قبل العدو الذي لا تزال أراضيها محتلة، مع الاكتفاء بالدعوة إلى لجم وتنظيم الظهور المسلّح خارج إطار الدولة.
هذه المقاربة، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، تتجاهل حقيقة قانونية أساسية، مفادها أن القانون الدولي نفسه يقرّ بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. وهو مبدأ كرّسته قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، كما كرّسه اتفاق الطائف الذي شكّل الأساس الدستوري للنظام اللبناني بعد الحرب الأهلية. فالدستور اللبناني نصّ على حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، لكنه لم يتناول صراحة مسألة «سلاح المقاومة»، الذي كان آنذاك، ولا يزال، مرتبطاً بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
ورغم حساسية هذا الملف وتعقيداته القانونية والسياسية، مرّت المواقف الحكومية الأخيرة المتصلة بهذا الشأن الداخلي بالغ الحساسية من دون نقاش برلماني يوازي خطورتها.
وهنا يبرز السؤال الدستوري البسيط: أين مجلس النواب اللبناني؟ ومن الذي يخطف قراره ويمنعه من أداء دوره في نظام برلماني ديمقراطي؟ فالدستور اللبناني واضح في هذا المجال، ولا سيما أن المادة 66 منه تنصّ على مسؤولية الحكومة أمام البرلمان، فيما تمنح المادة 70 المجلسَ الحقّ في مساءلة الوزراء عند الإخلال بواجباتهم.
وبدل أن يتحوّل البرلمان إلى ساحة نقاش وطني حول أحد أخطر الملفات المتعلّقة بالأمن الوطني، في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات اليومية، بدا وكأنه اختار الصمت، تاركاً هذا الملف يتحوّل إلى مادة سجال داخلي مفتوح عبر الإعلام المتفلّت ووسائل التواصل الاجتماعي، في بلد لا يحتمل أصلاً المزيد من عوامل الانقسام.
ومن المؤكّد أن الأمن الوطني، في الدول التي تحترم نفسها، لا يُترك ليصبح مادة فتنة في الإعلام والشارع، من دون أن ينقل البرلمان هذا النقاش إلى تحت القبة البرلمانية عبر ممثلي الشعب.
البرلمان وتشريع الانهيار
منذ الانهيار المالي الذي انفجر في تشرين الأول 2019، خسر اللبنانيون جزءاً كبيراً من مدّخراتهم المصرفية في واحدة من أكبر عمليات تدمير الثروة الوطنية في التاريخ الاقتصادي الحديث. وقد كُشف أن عدداً كبيراً من أعضاء الطبقة السياسية اللبنانية هرّبوا أموالهم إلى الخارج بمبالغ خرافية، فضلاً عن جريمة انفجار مرفأ بيروت، رابع أقوى انفجار مدني في مدينة في التاريخ الحديث. ومع ذلك، وفي كل هذه الاستحقاقات ذات البعد الوطني، ترك أعضاء مجلس النواب اللبناني الحالي الأمور على غاربها.
ففي إطار التحقيقات العدلية، بات المحقّق العدلي ملاحقاً قضائياً «على عينك يا برلمان». أما في ما يتعلّق بما سُمّي بخطة التعافي المالي، فقد أحالت الحكومة مشروع قانون يتصل بتنظيم ما جرى التوافق على تسميته «الفجوة المالية» في القطاع المصرفي.
وبدلاً من أن يتحوّل البرلمان إلى منصة وطنية لحماية العدالة والدفاع عن حقوق المودعين، انصرفت التوقعات نحو الانصياع لتوجيهات البنك الدولي ووصايا صندوق النقد الدولي، في وقت تجاهل فيه أعضاء مجلس النواب اللبناني مبادئ العدالة الاجتماعية كافة، والاعتراضات الواسعة التي قدّمها الخبراء القانونيون والاقتصاديون على الصيغة المطروحة. كما لم يكترث المجلس لتعطيل التحقيقات في ملف انفجار مرفأ بيروت، ولم يُفعَّل أي إجراء من قبل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
ومن باب الفائدة العامة، يصبح من المفيد إجراء مقارنات مع دول مرّت بأزمات مالية مماثلة، لمعرفة كيفية تعاطي البرلمانات الأخرى مع تلك الأزمات. فبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، أنشأ الكونغرس الأميركي هيئة تحقيق مستقلة عُرفت باسم «لجنة التحقيق في الأزمة المالية»، أصدرت تقريرها عام 2011 بعد تحقيقات واسعة كشفت مسؤوليات المؤسسات المالية والسياسات الحكومية في الانهيار المالي الحاصل.
أما في آيسلندا، فقد انتهت الأزمة المصرفية في العام نفسه بمحاكمات فعلية لعدد من كبار المسؤولين، من خلال تطبيق صارم لأحكام القوانين وقيام القضاء بدور فعلي في المحاسبة الجدية.
والمفارقة في لبنان أن البرلمان دخل في حالة جمود سياسي واضحة، ساعيًا إلى فقدان الوعي الدستوري بواجبه الدستوري ودوره في ممارسة سلطة الرقابة والمحاسبة باسم الشعب ولمصلحته.
قانون الموازنة وتفويض السلطة التشريعية
لم تتوقف «إبداعات» أعضاء مجلس النواب اللبناني الحالي عند هذا الحد. ففي قانون الموازنة الأخير، جرى تفويض الحكومة صلاحيات واسعة لفرض رسوم وضرائب جديدة، وهو ما يشكّل عملياً تنازلاً عن واحدة من أهم صلاحيات البرلمان في النظام الدستوري. فالقاعدة الدستورية الأساسية في الأنظمة الديمقراطية تقضي بأن فرض الضرائب هو من صميم عمل السلطة التشريعية، لارتباطه المباشر بتمثيل المواطنين.
وعندما يتحوّل البرلمان إلى جهة تفوّض الحكومة هذه الصلاحيات، لا تعود المسألة تقنية مالية فحسب، بل تمسّ جوهر التوازن بين السلطات في النظام السياسي.
آخر الهرطقات: قانون تمديد الولاية
في الفقه الدستوري المقارن، تُعدّ مسألة «تعارض المصالح» من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات التمثيلية. فالقاعدة البسيطة تقول إن الجهة التي تستفيد مباشرة من القرار أو القانون يجب أن تتعامل مع ما يُعرض عليها بأقصى درجات الحذر.
في لبنان، حيث الديمقراطية التوافقية، أُقرّ قانون تمديد ولاية مجلس النواب في وقت يعيش فيه البلد حرباً وانهياراً اقتصادياً، من دون أن يسبقه أي جهد تشريعي جدي لحماية المجتمع واحترام مدة الولاية البرلمانية المنصوص عليها دستورياً.
وقد حصل ذلك في حين لم نشهد قوانين لدعم القدرة الشرائية للناس، ولا قوانين لإقرار برامج حماية اجتماعية، ولا إجراءات تشريعية تخفّف من آثار الحرب على المواطنين. بل إن جلّ ما حصل كان استغلالاً للأعمال العسكرية والحربية القائمة، ومسارعةً إلى تمديد ولاية أعضاء مجلس خذلوا ناخبيهم عند كل مفترق طرق وفي كل استحقاق.
السيادة ليست موضوعاً للتفاوض
في الحياة السياسية اللبنانية، اعتاد كثير من السياسيين اتهام خصومهم بأنهم أتباع للسفارات أو أدوات للخارج، ولا سيما أعضاء النادي السياسي اللبناني حين كانوا يطلقون هذه الأوصاف على من رفعوا أصواتهم ضد كامل الطبقة السياسية الحاكمة خلال انتفاضة تشرين 2019، التي خُطفت من قبل السلطة والنقابات والاتحادات، بكل ما لكلمة «خطف» من معنى.
والمفارقة أن الوقائع أظهرت، في كثير من الأحيان، أن القرارات الكبرى التي اتخذتها السلطة السياسية في لبنان، ولا تزال تتخذها، هي أقرب ما تكون إلى الاستجابة لضغوط الخارج، سواء عبر المبعوثين الدبلوماسيين أو من خلال شروط المؤسسات المالية الدولية.
وفي هذا المشهد، يجري تظهير احترافي لكيفية توزيع الأدوار بين الكتل النيابية، على نحو يشبه إدارة خلافات داخلية على هامش قرار أكبر يُصاغ خارج البلاد. ودائماً ما يكون الشعب اللبناني هو الضحية على مذابح مصالح أحزاب لبنان كافة، من دون إغفال الأداء السياسي لبعض النواب الذين دخلوا البرلمان تحت عنوان «التغيير»، لكن تجربتهم أثارت بدورها جدلاً واسعاً في الرأي العام، ولا سيما نتيجة لعب بعضهم أدواراً خبيثة في وأد كل احتمال لنجاح أي تغيير، وتفخيخ هذه التجربة في ضمير الناس بأدائهم السيئ، الذي بدا وكأنه أداء مطلوب منهم ممارسته.
لحظة الحقيقة
قد يُقال إن الظروف الاستثنائية تبرّر بعض القرارات الحكومية أو إقرار بعض القوانين الاستثنائية. وقد يُقال أيضاً إن المجلس الدستوري سيجد، في حال تقديم طعن دستوري أمامه، مخرجاً لتبرير قانون التمديد. غير أن المسألة لم تعد قانونية فقط، فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالاجتهادات الدستورية وحدها، بل بسلوك السلطات الدستورية نفسها.
لذلك، حتى لو مرّ التمديد سياسياً بالتوافق، وحتى لو غطّاه القضاء الدستوري قانونياً، فإن الجواب الذي يتشكّل اليوم في وجدان كثير من اللبنانيين أبسط من كل النقاشات الدستورية، ويُختصر بعبارة واحدة: «لا ثقة».
لا ثقة بسلطة تبدو عاجزة عن حماية المجتمع في أزماته الحقيقية، ولا ثقة بمؤسسات يُفترض أن تمثّل الناس لكنها تبدو أحياناً وكأنها تمثّل توازنات أخرى أو مطالب آتية من خلف البحار والمحيطات. وعندما يصل بلدٌ ما إلى هذه النقطة، تصبح المشكلة أعمق من أي قانون أو قرار.
إنها لحظة يكتشف فيها المجتمع أن أزمته لم تعد فقط أزمة اقتصاد أو حرب قائمة، بل أزمة ثقة كاملة بين الدولة، بنظامها السياسي القائم، ومواطنيها. وبطبيعة الحال، لا تأبه أحزاب لبنان لذلك، بعدما كرّست سياسة عامة قائمة على استيعاب فئة من المعارضين في صفوفها، وتجاهل أصوات فئة أخرى.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
