قراءة جيوسياسية: العالم على حافة إعادة تشكيل النظام الدولي

من العاصمة اللبنانية بيروت، المدينة التي أثبتت عبر تاريخها الطويل أنها لا يمكن أن تكون إلا في قلب العواصف لا على هامشها.

ما نشهده اليوم، إقليمياً ودولياً، ليس تصعيداً عسكرياً تقليدياً، بل مرحلة انتقالية تتآكل فيها قواعد النظام الدولي، ويُعاد فيها تعريف مفهوم الشرعية تحت ضغط موازين القوة.

من «طوفان الأقصى» إلى «الغضب الملحمي» أو «زئير الأسد»، تتكشف سلسلة من الأحداث المترابطة التي لا يمكن فهمها من خلال قراءات منفصلة، لأنها تشكّل فصولاً متصلة في مسار إعادة تشكيل ميزان القوى والنظام القانوني الدولي.

منطق المصالح لا منطق القيم

القاعدة الأولى في العلاقات الدولية لم تتغيّر، وهي القاعدة التي عبّر عنها، باختصار بالغ الدلالة، رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل حين قال: «ليس للدول أصدقاء، بل مصالح». وعليه، فإن أي قراءة للأحداث من منطلق عاطفي أو أخلاقي صرف ستكون قراءة محكومة بالفشل الذريع.

لفهم المواقف، لا بد من إدراك أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت الردع وحماية شبكة تحالفاتها، فيما يتحرّك الكيان الصهيوني «إسرائيل» وفق عقيدة أمنية تعتبر التهديدات الإقليمية مسألة وجودية. أمّا إيران، فمن جهتها، فلن تتخلى عن دورها كلاعب إقليمي يمتلك أدوات ضغط استراتيجية. في المقابل، تسعى دول الخليج إلى الموازنة بين أمنها القومي واستقرار أسواق الطاقة، مع تجنّب التحول إلى ساحات صراع مفتوح. وصولاً إلى الدول الأوروبية، التي تعمل، على خلفية النزاع الروسي–الأوكراني، على البحث عن الاستقرار ومنع موجات صدمات اقتصادية وأمنية جديدة.

ومن خلال هذا العرض، لا ينبغي فهم أي تحرك عسكري أو دبلوماسي خارج حسابات الردع، والطاقة، والممرات البحرية، والانتخابات الداخلية، أو توازنات القوى الكبرى. فالأخلاق قد تُستحضر في الخطاب السياسي، لكن المصالح هي التي تُحدّد، في نهاية المطاف، الأسباب الموجبة لاتخاذ أي قرار.

تجاوز مجلس الأمن وأزمة الشرعية الدولية

رغم ذلك، لا يجوز إغفال مقتضيات الشرعية الدولية التي تفترض ألا يُقدم أي عمل عسكري واسع النطاق خارج تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي. إن تكرار هذه الخروقات، ابتداءً من حرب الخليج الثانية، يطرح إشكالية قانونية بالغة الخطورة على مستوى القانون الدولي. والمشكلة هنا لا تكمن في خرق منفرد للقانون الدولي، بل في تحوّل الاستثناء إلى قاعدة سياسية معترف بها ضمنياً.

إن ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي دولة أخرى، باستثناء حالتي الدفاع عن النفس أو وجود تفويض صادر عن مجلس الأمن. وحين تتكرر العمليات العسكرية خارج هذا الإطار، يتآكل مفهوم الشرعية الدولية تدريجياً، ويفقد القانون الدولي قدرته الرادعة.

والأخطر من ذلك، أن معايير مثل «الدفاع الوقائي» أو «الضربة الاستباقية» باتت تُستخدم بمرونة سياسية أكثر منها بدقة قانونية، ما يفتح الباب أمام سوابق خطيرة قد تُستنسخ في أقاليم أخرى من العالم. وعلى هذا النحو، اندلعت الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث استُخدمت مفاهيم مشابهة لتبرير تدخلات عسكرية أو سياسية مباشرة في شؤون دول ذات سيادة خارج إطار التفويض الأممي، ما وسّع دائرة الاستثناء القانوني وهدّد ما تبقى من منظومة الشرعية الدولية.

القانون الدولي الإنساني بين النص والتطبيق

من بغداد إلى كييف، ومن غزة إلى كاراكاس وصولاً إلى طهران، يُطرح سؤال مركزي حول مصير اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني عموماً.

فالنصوص واضحة، وتفترض حماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، واحترام مبدأ التناسب، وحظر العقاب الجماعي. غير أن تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع بات انتقائياً، خاضعاً لموازين القوى السياسية والعسكرية، لا لموازين العدالة ولا لنصوص الاتفاقيات الدولية.

وعندما تتكرر الانتهاكات من دون مساءلة فعّالة، لا يسقط القانون فوراً، لكنه يفقد هيبته تدريجياً. فالنظام القانوني الدولي لا ينهار بضربة واحدة، إلا أنه بات يتعرض لتآكل بطيء، ويترافق ذلك مع تصاعد عدم الثقة الدولية في قدرته على الردع والمحاسبة.

إن الردع القانوني الدولي يفقد فعاليته حين تعجز المؤسسات الأممية عن فرض المساءلة، وهذا تحديداً ما نشهده اليوم في ظل التلويح بإمكانية الاستغناء عن منظمة الأمم المتحدة، ومعاقبة قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

لبنان بين الهامش والخط الأمامي

في خضم هذا التحول الدولي الكبير، يقف لبنان في موقع بالغ الحساسية. فالتداخل الجغرافي والسياسي مع مسارح العمليات، والتهديدات المتكررة باحتمال توسّع المواجهة أو حصول اجتياح عسكري لأراضيه، تجعل البلاد أقرب إلى خط تماس مباشر. وعليه، يصعب التنظير لضرورة اتخاذ موقع المراقب أو تبنّي موقف الحياد الاستراتيجي، إذ إن لبنان لا يزال في عين العاصفة، وعملية «زئير الأسد» لن تنساه، مهما حاولت القوى السياسية الداخلية تجاهل هذا الزئير.

المخاطر هنا ليست مسألة نظرية، فالجنوب اللبناني قد تحوّل بالفعل إلى ساحة اشتباك مفتوح. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني إنهاكاً شديداً، ولا يحتمل أي صدمة أمنية جديدة، في حين أن البنية الاجتماعية الهشّة داخلياً لم تكن قادرة على تحمّل موجات نزوح إضافية كتلك التي شهدناها، ولا على استيعاب مشاهد دمار جديدة.

إن مقررات مجلس الوزراء القاضية بحظر الأعمال العسكرية لا تعكس ما تقتضيه الحكمة الكاملة، إذ إن أي انخراط غير محسوب في معادلات إقليمية أكبر من قدرة الدولة اللبنانية من شأنه مضاعفة المخاطر، من دون أن يؤدي إلى تغيير فعلي في موازين القوى.

من هنا، يصبح لزاماً على جميع الأفرقاء الداخليين قراءة المشهد ببرودة أعصاب ومسؤولية وطنية. فليس الوقت مناسباً لتصفية الحسابات القديمة، ولا لمقاربة الأمور من زاوية الحسابات الانتخابية أو المزايدات الخطابية، التي قد تبدو للبعض ترفاً سياسياً، لكنها لا تتناسب مع حجم التهديد القائم. ففي لحظات المسؤولية الوطنية، لا بد أن تتقدم اعتبارات الدولة، الجامعة لكل أبنائها، على اعتبارات الفئة، وأن يتقدّم منطق تحييد الساحة قدر الإمكان على منطق تسجيل النقاط.

لبنان ليس لاعباً مقرِّراً في موازين القوى الكبرى، وهذا ليس تقليلاً من شأنه ولا تسخيفاً لدوره، لكنه قد يكون ساحة انعكاس لهذه الموازين. وهذه الحقيقة وحدها تفرض قدراً مضاعفاً من التعقّل، لا يزال مفقوداً لأسباب غير مفهومة.

هل نحن أمام سقوط النظام الدولي؟

سقوط النظام الدولي بالكامل هو توصيف مبالغ فيه، لكن ما نشهده فعلياً هو انتقال من نظام أحادي القطبية إلى تعددية متوترة. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر، لكنها لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها بلا كلفة. أما الصين وروسيا، فتعملان على تقويض التفرد الغربي من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة شاملة، في حين توسّع القوى الإقليمية هامش مناورتها بين الكبار.

ضمن هذا السياق التحليلي، يصبح القانون الدولي ساحة صراع بحدّ ذاته، سواء لناحية تفسيره، أو تطبيقه، أو حتى تجاوزه.

هل فقدت الإنسانية قيمتها؟

القيم الإنسانية لا يمكنها أن تختفي كلياً، لكنها تشهد تراجعاً مستمراً أمام حسابات القوة. فالنظام الدولي لم يُبنَ يوماً على الأخلاق والإنسانية وحدهما، بل على توازن دقيق بين القوة والقانون. وحين تختلّ هذه المعادلة لمصلحة القوة وحدها، يبدو المشهد وكأن الإنسانية تتقهقر. إلا أن التاريخ البشري يُظهر أيضاً أن كل مرحلة فوضى قانونية كبرى أعقبتها إعادة صياغة لقواعد اللعبة.

السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون عمّا إذا كان النظام الدولي يتغيّر، بل كيف ستتم إعادة تشكيله بعد هذه المرحلة. فهل نتجه نحو مزيد من منطق القوة؟ أم نحو إعادة ضبط لتوازن ما بين الردع والشرعية؟ بين هاتين الإشكاليتين سترسم ملامح العلاقات الدولية الجديدة.

فالشرعية في عالمنا لم تعد مفهوماً قانونياً خالصاً، بل باتت امتداداً لميزان القوى. وحين تتحول الشرعية إلى امتداد مباشر لميزان القوة، يصبح القانون تابعاً للسياسة لا ضابطاً لها.

ختاماً، أمام هذا التحول الكبير في العلاقات الدولية، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة. الأول: تثبيت منطق القوة وتراجع دور المؤسسات الأممية إلى وظيفة شكلية. الثاني: إعادة تفاوض بين القوى العظمى على قواعد اشتباك جديدة تعيد تعريف مفهوم الشرعية. أما الثالث، وهو المسار الطاغي الذي تفرضه الوقائع حتى الساعة، فهو انفلات إقليمي متكرر يقود إلى نظام دولي أقل استقراراً وأكثر عسكرة.

ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل اختبار جديد وقاسٍ لبنية النظام الدولي ذاته. فالتحليل الموضوعي يفرض الاعتراف بأن الدول تتحرك اليوم، كما في الأمس ودائماً، وفقاً لمصالحها أولاً، وأن القانون الدولي يتعرض لضغط غير مسبوق، سواء لجهة الالتزام بقواعده الملزمة للدول أو لجهة انتهاكها بالكامل، في حين تتآكل الشرعية الدولية عندما تُستخدم المعايير بازدواجية.

النظام الدولي لا يسقط فجأة، بل يُعاد تشكيله عبر أزمات متراكمة. والسؤال لم يعد فقط من يملك القوة، بل من يملك القدرة على إعادة تعريف الشرعية. وفي هذا المخاض، لا تملك الدول الصغيرة ترف الخطأ في الحسابات، لأن موقعها في النظام الجديد يتحدد الآن لا لاحقاً.

وفي عالم يُعاد تشكيله بالقوة، لم يعد الحياد موقفاً سلبياً، بل خياراً استراتيجياً يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر. فنحن لسنا أمام لحظة عاطفية عابرة، بل أمام مرحلة إعادة تعريف للقوة، وللشرعية، ولمكانة الإنسان داخل معادلة المصالح. والسؤال الحقيقي لم يعد من سيربح الجولة المقبلة، بل أي نظام عالمي سيخرج من تحت رمادها، وأي موقع سيكون للعرب ولبنان في خرائطه الجديدة.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.