في ظهيرة يوم هادئ، تناولتُ طعام الغداء في الحرم الجامعي، ثم خرجتُ أتمشّى على ضفة النهر القريب. كان الممشى ممتدًا في سكون، تحفّه أشجار باسقة تتمايل أغصانها برفق، كأنها تهمس بأسرار الطبيعة. وبينما كنت أستغرق في هذا الجمال، التفتُّ إلى يميني، فإذا بدراجة هوائية مهملة، ملقاة على الأرض في صمت يثير التساؤل.
توقفتُ لحظات، ضاق فيها التفكير بين أن أتركها لمصيرها أو أتدخل. ثم انحنيتُ، حملتها، تأملت عجلاتها، وأمسكت بمقودها متجهًا بها نحو قسم الصيانة. تركتُها خارج المخزن، وتقدمت إلى الكاونتر، محييًا الموظف، طالبًا منه منفاخًا وصندوق عدّة لإصلاحها. لم يمانع، فبدأت العمل بحماس، حتى استغرقني إصلاحها قرابة ساعة كاملة.
حين انتهيت، دفعتُ بها إلى الممشى وجرّبتها. كان شعور غامر بالفرح يتملكني. أدركتُ أن هذه الدراجة ستختصر عليّ الكثير من الوقت في الوصول إلى محطة القطار الواقعة بين براندنبورغ و”ألكسندر بلاتس” في برلين. فالمشي إليها يستغرق عشرين دقيقة، بينما لا تتجاوز الرحلة بالدراجة بضع دقائق. ومع أن للمشي متعته، فإن ركوب الدراجة كان يمنحني حرية لا تضاهى.
استمررتُ على هذا الحال أيامًا. كنت أتنقل بها إلى بحيرات صغيرة للسباحة، وأوثقها في مواقف مخصصة قرب محطات القطار. بل استخدمتها ليلًا أيضًا، حين كنت أتجه إلى حانة هادئة لأتناول عشاءً خفيفًا وألتقي ببعض الأصدقاء الألمان في أمسيات نهاية الأسبوع.
كانت تلك الأيام مزدحمة بالحياة. وفي إحدى الليالي، عدتُ إلى غرفتي في السكن الطلابي. كان الممر العريض غارقًا في صمت ثقيل، وقد ابتلع ضوضاء النهار، ولم يبقَ سوى ضوء خافت يتدلى من مصباح متعب. أخرجتُ مفتاحي، فتحتُ الباب بهدوء، ودخلت دون أن أشعل النور. عند نافذتي المطلة على النهر، وقفت أتأمل ليل برلين، الذي بدا شاحبًا لقربه من الشمال. خلعتُ معطفي، وارتديت ملابس النوم، واستسلمتُ لراحة عابرة.
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ مبكرًا، كعادتي، وتوجهتُ إلى قاعة المحاضرات. كانت أولى المحاضرات مع الدكتور كلاوس. وصلتُ قبل الجميع، وشعرتُ بسعادة خفية؛ فالوصول المبكر كان دائمًا من طباعي، كصحفي يؤمن بقيمة الوقت.
حيّيته بالألمانية:
– صباح الخير، دكتور كلاوس.
ابتسم وقال:
– أهلاً جودت، تفضل.
عاد إلى كتاب بين يديه، وبدأ الطلبة يتوافدون تباعًا حتى اكتمل الحضور. وقف الدكتور، وساد الصمت إيذانًا ببدء المحاضرة.
قال بصوت هادئ: “علمتُ أن أحدكم يستخدم دراجة هوائية مهملة خارج الحرم الجامعي. هذا تصرف محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى حادث مؤلم. كما أن الدراجة غير مرخّصة للاستخدام في الشارع العام. أنصح بإعادتها إلى مكانها حفاظًا على السلامة”.
في تلك اللحظة، انقبض صدري. شعرت بثقل مفاجئ، وكأن الكلمات وُجهت إليّ مباشرة. كنت أظن أن ما فعلته أمر بسيط، بل وصحيح، كما هو الحال في بلدي. لكن شيئًا في نبرة الدكتور جعلني أعيد التفكير.
حاولت أن أبقى هادئًا، وألا ألفت الانتباه. لكنني فوجئت بأن نظرات الطلبة بدأت تتجه نحوي، وكأنهم أدركوا الحقيقة قبل أن تُقال صراحة. شعرت بانكشاف صامت، وبذنب لم أكن أتوقعه.
تمرّ السنوات، وتبقى تلك اللحظة عالقة في الذاكرة… ويغيب الدكتور كلاوس، أستاذ الصحافة، بعد أن رحل إثر حادث سير مؤلم.
رحمك الله، أستاذي ومعلمي.
لك السلام حيث أنت.

جودت مناع
كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.
