أقتبس في مقالتي هذه ما ذكره الخبير Louis Joseph Lebret عن كيفية نهوض لبنان من أزماته في العام 1961: «ما يفتقر إليه لبنان قبل المياه والكهرباء والاتصالات، هو النقص في جماعات العمل التي تُكرّس نفسها للمصلحة المشتركة، والتي تعمل بروحية التعاون على مختلف الأصعدة، بغية حلّ كل المشكلات على المستويين الاقتصادي والإنساني. في حال لم يجرِ تحوّل في ذهنية النخبة الشابة اللبنانية، وما لم تقم ثورة فكرية ومعنوية، فسيبقى التطوّر هشًّا، ولن يتمكّن لبنان من القيام بدوره في الداخل كعامل تماسك، ولا في الخارج كقطب حضارة عالمية».
في الجمهورية اللبنانية، تستعر القراءات السياسية الخاطئة بمختلف ميادينها، وهي نتاج أزمة تحليل نشأت عند المسؤولين اللبنانيين، الرسميين والحزبيين، في فهم واقع الأحداث، وغالبًا ما ارتكزت على معطيات وهمية وسلوكية غير مسؤولة تجاهلت عمدًا الأحداث والتوازنات الاستراتيجية الإقليمية والدولية. لقد قرأ ساسة لبنان الأوضاع العامة في البلاد، من اتفاقية القاهرة وضعف الدولة وخياراتها، إلى المنطق الميليشياوي، والانقسامات الداخلية الطائفية والمذهبية، والعامل السوري، والعامل الإيراني، والحرب الإسرائيلية، قراءة هامشية، وسقطوا في رهانات خاسرة، وفشلوا وعجزوا عن أن يكونوا لاعبين محليين رسميين على الساحة اللبنانية. والمؤسف أنّ أغلبية هؤلاء ووارثيهم يُصرّون على رهانات ماضية، ويتصرّفون متخذين مواقف كلما لاح لهم أمل في أن يُستقبلوا عند اللاعبين الكبار. وما أكثر القيادات التي تسافر ذهابًا وإيابًا لطرح مشاريع وهمية، هدفها كسب الأموال على حساب الشعب والدولة.
ساسة يقرأون الأمور بهامشية، ولا يعلمون أنّ «الجيوبوليتيك» هو مزيج من حقول المعرفة في فصول العلم السياسي، انطلاقًا من واقع السياسة المحلية والإقليمية والدولية. وتزامنًا مع ارتفاع وتيرة رقعة الحرب بين دولة إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية بواسطة وكيلها اللبناني، ومحاولة فرض هيمنتها على كل مراكز القرار، وما شابه ذلك من أعمال، تأثرت السياسة اللبنانية بصورة مباشرة، وباتت الساحة اللبنانية تواجه أزمات طارئة، لا بل مشكلة مستعصية أدت إلى تهجير قسم كبير من اللبنانيين الجنوبيين، ومردّ ذلك إلى أنّ الساسة اللبنانيين أخطأوا في قراءة الواقع، وبالتالي فشلوا في مواجهة الأزمة.
أخطاء سياسية استراتيجية ارتكبتها القوى الحاكمة منذ الستينيات، مرورًا بالعام 2005 وما تلاه، وكانت بمثابة خلل جوهري في التخطيط والرؤية البعيدة المدى للسياسات العامة، التي بُنيت على قرارات ارتجالية غير مسؤولة، وعلى تقييم سياسي وأمني واقتصادي ومالي واجتماعي خاطئ. أخطاء استراتيجية حصلت على مستوى التخطيط السياسي العام، وعلى سوء التقدير، وعلى تجاهل المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية المؤثرة. سياسة عامة أهملت البدائل، وركّزت على مسار واحد دون دراسة خيارات أخرى. سياسة عامة تفتقد المرونة وتتمسّك بخطاب خشبي: «جيش – شعب – مقاومة»، «الموت لأميركا – الموت لإسرائيل»… رغم تغيّر الظروف المحيطة، فأدخلت سياساتهم الجمهورية في حرب طويلة منهكة دون حساب كلفة الاستنزاف. فكانت القراءات الخاطئة خطرًا على الجميع، لأنها وجّهت الجمهورية، بمؤسساتها الشرعية وشعبها، نحو مسارات غير صحيحة من الأساس.
ارتباط هذه الأخطاء بالأنظمة السياسية المتعاقبة أمر خطير، ولا سيما تجاهل كلّ من: الانسحاب السوري في 26 نيسان 2005، والذي جاء نتيجة ضغوط دولية وشعبية عارمة بعد سلسلة من الأحداث المفصلية، أهمها صدور القرار 1559 في أيلول 2004 واغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكنها تكثفت في السنوات الأخيرة، وحدّت هذه الأخطاء من السيادة الوطنية ومن المساهمات الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى المساعدة وضمان الأمان، واستشرت حالات الفوضى والبغاء السياسي التي شملت كل الساسة من دون استثناءات.
أعمق خطأ ارتكبه النظام السياسي اللبناني، رئاسة جمهورية وحكومة ومجلس نواب، كان ربط الهوية الأمنية طويلة المدى بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. مع أنه، وكما تناقلت في حينه وسائل الإعلام العربية، وخصوصًا في المملكة العربية السعودية، كانت هناك نيّة لـ«مكرمة لتسليح القوى المسلحة الشرعية اللبنانية»، وقد أعلن عنها في حينه الملك السعودي. ولكن كان الرفض والرهان على إيران، وهو أشبه بتأمين بوليصة تأمين من شركة مفلسة، والدليل ما يحصل اليوم.
من الأخطاء القاتلة لدى المعارضين لهذا النهج القاتل للحريات وللسيادة الوطنية، عدم بلورة رؤية وطنية سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وتنموية، بعيدًا عن المصالح الخاصة والحسابات الخارجية. وقد أثبتت الأحداث أنّ الرهان على نظام سياسي ضعيف هو رهان خاسر وقاتل. كل الرهان يجب أن يكون على الإرادة الصلبة، والقدرات الذاتية، والتعاون، والسلام الشامل.
حذارِ القراءات الخاطئة القاتلة بعد اليوم.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
