في الشرق، لا تُغلق الملفات تمامًا، بل تُدفن تحت ركام الصمت، لتنهض بعد عقود كالأشباح، تذكّرنا بأن العدالة في بلادنا لا تموت لكنها تُقاد بالهوى السياسي.
ها هو ملف الإمام موسى الصدر يُفتح من جديد بعد أكثر من أربعة عقود على اختفائه، لا بوصفه قضية إنسانية تبحث عن الحقيقة، بل كورقة ضغط جديدة في لعبة توازنات داخلية لبنانية وإقليمية لم تهدأ منذ السبعينيات.
قرار القضاء اللبناني بإخلاء سبيل هنيبعل القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مقابل كفالة مالية خيالية بلغت 11 مليون دولار، يثير سؤالاً أبعد من مجرد إجراء قضائي: من يحكم لبنان حقًا؟ دولة القانون أم دولة الطوائف؟ وهل يُعقل أن يُتهم طفل لم يتجاوز عامه الثاني آنذاك، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وغموضًا في تاريخ العالم العربي؟
القضية التي بدأت كحادثة اختفاء غامض في أغسطس 1978 أثناء زيارة الإمام موسى الصدر إلى ليبيا، تحوّلت مع مرور السنوات إلى رمز للخذلان العربي، ومرآة لتشابك الدين بالسياسة، والسيادة بالولاء. فالإمام الصدر، رجل الدين والمثقف والسياسي، لم يكن مجرد شخصية دينية، بل كان يمثل ضمير الطائفة الشيعية في زمن الانقسام اللبناني، وصوتًا إصلاحيًا يطالب بالعدالة والمساواة. اختفى الرجل، وبقيت صورته تُستخدم في كل أزمة كأنها سلاح أخلاقي في وجه الخصوم.
اليوم، وبعد أكثر من أربعين عامًا، يُعاد تحريك الملف، ولكن على نحو يبعث على الأسى. فهنيبعل القذافي، الذي لم يكن سوى طفل في الثالثة من عمره عند وقوع الحادثة، ظلّ محتجزًا في السجون اللبنانية لعقدٍ كامل من دون محاكمة حقيقية، وكأنه مسؤول عن أسرار لم يعِها بعد حين كان في حجور النساء.
هل العدالة هنا تُمارس، أم يُراد لها أن تكون ستارًا لتصفية الحسابات بين الطوائف، أو تذكيرًا بأن “القضاء” في لبنان لا يتحرّك إلا تحت إيقاع السياسة؟
لقد طالبت منظمات حقوقية دولية ومحلية بإطلاق سراح هنيبعل منذ سنوات، معتبرةً أن احتجازه الطويل دون محاكمة يُشكّل انتهاكًا فاضحًا لكل المعاهدات الدولية. ومع ذلك، بقي الرجل رهينة تعقيدات طائفية، وإرادة سياسية تُبقي الملفات مفتوحة لا بحثًا عن الحقيقة، بل حمايةً لمكاسب رمزية أو مصالح خفية.
القرار الأخير بإخلاء سبيله لا يُقرأ بمعزل عن الصراعات القائمة داخل لبنان، وعن توازنات القوى بين قصر بعبدا والضاحية الجنوبية، وبين القضاء المرهق والشارع الغاضب. فالعدالة في لبنان تُدار بمنطق “التوازن”، لا بمنطق الحق، وكأن قدر هذه البلاد أن تبقى مسرحًا دائمًا للتجاذب بين الرموز والشعارات. أما الكفالة التي فُرضت – 11 مليون دولار – فهي رقم لا يمكن فهمه إلا بوصفه رسالة رمزية، لا قانونية. وكأن القضاء أراد أن يقول: “أطلقناه، لكننا لن نُفرّط في قبضتنا عليه”. مبلغ يفوق طاقة أي إنسان، يعادل أحلام أجيال كاملة في بلدٍ غارقٍ في الانهيار المالي والسياسي، ويدعو للتساؤل: أهي عدالة تُشترى، أم سلطة تبيع أحكامها لمن يقدر؟
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تاهت ليبيا في فوضى الانقسام، وضاعت الحقيقة بين شرق وغرب، بين طرابلس وبنغازي، وبين حكومة معترف بها دوليًا وأخرى ترفع رايات الشرعية الثورية. وفي خضم هذا الضياع، بقي ملف الإمام الصدر حاضراً في ذاكرة لبنان أكثر من حضوره في ضمير العدالة.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس مصير هنيبعل القذافي ولا رقم الكفالة، بل السؤال الأخلاقي الذي تطرحه: هل يُمكن لمجتمع أن يطالب بالعدالة وهو يختزلها في شخص أو طائفة؟ هل يمكن لدولة أن تبني مؤسساتها وهي تستمد قراراتها من تراث الانقسام لا من روح القانون؟
ما حدث ليس سوى فصل آخر من دراما لبنانية طويلة، تتقاطع فيها السياسة بالقضاء، والمصالح بالمبادئ، والذاكرة بالثأر. وربما آن الأوان أن يُدرك اللبنانيون أن العدالة الحقيقية لا تقوم على “الانتقام الرمزي” بل على المسؤولية الجماعية في مواجهة التاريخ، لا استخدامه كسلاح في صراع الحاضر.
يبقى الإمام موسى الصدر رمزًا لحلمٍ لم يكتمل، ويبقى هنيبعل القذافي شاهدًا على أن العدالة في عالمنا العربي قد تُحتجز مثل الأفراد، وتُطلق بشروط، وتُكفّل بملايين، لكنّ الحقيقة تبقى بلا كفيل.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
