هل تستطيع دول الخليج اقتناص جزء من الهيمنة التكنولوجية الأميركية لنفسها؟

لقد أمضيتُ معظم الأسبوع الماضي في الدوحة، مشاركًا في قمة الويب – قطر (Web Summit Qatar) – وهي النسخة الخليجية الجديدة من المؤتمر التكنولوجي السنوي الشهير. وقد برزت فكرة واحدة بوضوح لافت في الخطب التي تابعتها، وفي الأحاديث التي خضتها: السيادة.

رسم مؤسّس المؤتمر، بادي كوسغريف، ملامح هذا التوجّه منذ الليلة الافتتاحية، حين قال: “قبل ثلاث سنوات، عندما انطلقت قمة الويب في قطر، كان الناس يتحدّثون عن الدخول في عالم متعدّد الأقطاب. أمّا اليوم، فنحن نعيش فعليًا في عالم متعدّد الأقطاب”.

واستشهد كوسغريف، دعمًا لرأيه، بالتوبيخ الناري الذي وجّهه رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى دونالد ترامب في منتدى دافوس قبل أسابيع قليلة. كما أشار إلى العرض الذي سبقه على المسرح: روبوتات راقصة طوّرتها شركة صينية، وصفها بأنّها الأكثر تطوّرًا في العالم. ولم يكتفِ بذلك، بل استضاف متحدثَين جسّدا عمليًا الديناميات التي تحدّث عنها. الأوّل كان رئيس الوزراء القطري، الذي أعلن عن سلسلة خطوات بمليارات الدولارات تهدف إلى تحفيز الشركات الناشئة في البلاد. أمّا الثاني، فكان مؤسّس شركة “UpScrolled”، الذي أطلق تطبيقًا منافسًا متمرّدًا على “تيك توك”، وأعلن من على المنصّة أنّ التطبيق تجاوز 2.5 مليون مستخدم، في خضم ردود الفعل المرتبكة على إنشاء الكيان الأميركي الجديد لـ”تيك توك”.

ومع تحوّل الولايات المتحدة إلى بيئة أكثر اضطرابًا للهجرة وتأسيس الشركات، تحرص القوى الخليجية الثلاث الكبرى على إبراز اندفاعها المتعدّد المليارات نحو الذكاء الاصطناعي. فالأمر لا يقتصر على قطر وحدها. إذ في العام الماضي، وقّعت دولة الإمارات اتفاقًا مع الولايات المتحدة للحصول على رقائق إلكترونية متقدّمة ستُستخدم في إنشاء أحد أكبر مراكز البيانات في العالم خارج أبوظبي.

أمّا السعودية، فقد أبرمت شركتها الحكومية للذكاء الاصطناعي، “هيوماين” (Humain)، صفقات بمليارات الدولارات بهدف إنشاء “منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة” – أي إنّ المملكة تسعى إلى امتلاك مراكز بياناتها الخاصة، وبيانات التدريب، وخدمات الحوسبة السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وربما حتى رقائقها الخاصة. والحال أن هدف الذكاء الاصطناعي السيادي – أي الذكاء الاصطناعي الخاضع لسيطرة الدولة من البداية إلى النهاية – هو هدف معلن وصريح.

غير أنّ التوجّه الخليجي نحو تعزيز القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي لا يعني ترسيخ قطيعة مع الولايات المتحدة. فخلال وجودي هناك، نشرت صحيفة مملوكة لأفراد من عائلة آل ثاني الحاكمة في قطر خبرًا بارزًا عن اتفاق بين شركة الذكاء الاصطناعي، “براين كو” (Brain Co)، التي أسّسها جاريد كوشنر، والحكومة القطرية، بهدف أتمتة تصاريح البناء.
فهل سينجح اندفاع الخليج نحو بناء ذكائه الاصطناعي الخاص؟ كان هذا هو السؤال الثاني الذي يتردّد على ألسنة الجميع. (أمّا السؤال الأوّل، بطبيعة الحال، فكان: “هل الذكاء الاصطناعي فقاعة فعلًا؟”).

ثمّة عوامل كبرى عديدة تتراكم في مواجهة تطوير ذكاء اصطناعي سيادي في المنطقة. فالوصول الإقليمي إلى رقائق أشباه الموصلات لا يزال محدودًا، وإن كان يتوسّع بطرق ملتوية أو مباشرة. كما أنّ المنطقة تفتقر إلى عدد كافٍ من الكفاءات الهندسية المحلية القادرة على تشغيل صناعة ذكاء اصطناعي متكاملة. غير أنّ الدوحة توفّر لمخزون الهند الهائل من المهندسين فارقًا زمنيًا أكثر ملاءمة للتواصل مع العائلة مقارنةً بسان فرانسيسكو، فضلًا عن كلفة أقل بكثير من رسم التأشيرة البالغ 100 ألف دولار الذي طرحه ترامب. أمّا على صعيد بناء نماذج الذكاء الاصطناعي، فإنّ المحتوى النصّي العربي المتوافر على الإنترنت أقل بكثير من نظيره باللغة الإنكليزية.

في ظل هذا الاضطراب، يتجادل مموّلو قطاع التكنولوجيا – أي أصحاب رؤوس الأموال المغامِرة – حول الوجهات الأنسب لاستثمار أموالهم. وقد عكست إحدى الجلسات التي أدرتها تباينًا واضحًا في الرؤى. فقد دعا مستثمر فرنسي في رأس المال المغامر إلى دعم الشركات الناشئة في مختلف أنحاء أوروبا والشرق الأوسط. وأشار – هو ومستثمر ألماني شاركه في جلسة أخرى – إلى أنّ الاستثمار في الولايات المتحدة بات أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة بسبب التقييمات المرتفعة للغاية، التي تقلّص نسب الملكية التي يحصل عليها المستثمرون.

في المقابل، رأى شريك في صندوق استثماري لا يستثمر إلا في شركات سان فرانسيسكو أنّ شركات وادي السيليكون تمتلك “خندقًا تنافسيًا” حقيقيًا يحميها من المنافسين، وبالتالي لا تزال هي الخيار الأكثر أمانًا للاستثمار.

كذلك، لا يقتصر السعي إلى بناء منظومات تكنولوجية مستقلة على الخليج وحده. فأوروبا بدورها تعيش حالة قلق مماثلة بشأن السيادة، تفاقمت بفعل عدائية ترامب تجاه القارّة. غير أنّ الاتحاد الأوروبي يواجه تحدّيات حاسمة. فالتنظيم التكنولوجي الصارم نسبيًا في الاتحاد أفضى إلى حماية غير مسبوقة لخصوصية المواطنين، لكنه أسهم في المقابل في إضعاف قطاع التكنولوجيا مقارنةً بالولايات المتحدة ذات النهج المتحرّر.

فهل سيُضحّي البرلمان الأوروبي بالخصوصية التي يضمنها مشروع “قانون الذكاء الاصطناعي” لصالح تخفيف القيود التنظيمية التي تقول الشركات إنّها تحتاج إليها؟ علمًا بأن حكومات أوروبا تستثمر مبالغ أقل بكثير ممّا تستثمره الدول الخليجية الغنية بالنفط. فهل تستطيع الشركات والحكومات تلك استنساخ جميع الأدوات التي تحتاج إليها من دون تدفّق كبير للأموال؟

لقد تخلّت فرنسا مؤخرًا عن منصّات “زوم” و”مايكروسوفت تيمز” و”غوغل ميت” لصالح تطبيق يُدعى “فيسيو” (Visio) – وهو اسم يوافق، بالمصادفة، اسم برنامج تخطيط تابع لشركة “مايكروسوفت”. كما لا تزال بلجيكا وهولندا عنصرين أساسيين في سلسلة الإمداد العالمية لأشباه الموصلات، وإن كان ذلك جزئيًا فقط. بدوره، يخيّم حضور “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك على القارّة، فيما تحاول أوروبا تعزيز بديلها المحلي، “يوتلسات”، الذي لا يزال أمامه طريق طويل للحاق بنظيره الأميركي.

ترجمة بتصرّف عن “الغارديان”
بقلم / بلايك مونتغمري

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.