أتركوا للناخب حريته!

تزامنًا مع أي استحقاق انتخابي، يعتمد الساسة اللبنانيون في تعاطيهم مع الرأي العام أسلوبًا لغويًا–اجتماعيًا استغلاليًا، مغلّفًا بشعارات الإصلاح، ومحبة العطاء، وخدمة الناس. غير أنّ الساسة، في العادة، أي في الحياة العامة، لا يهتمون بشؤون رعاياهم إلا عند الحاجة أو قبيل الاستحقاق، وهم فعليًا القوة الأكثر هامشية في مجتمعاتهم. وعند اقتراب الاستحقاق، يتظاهرون بمحبة الناس، ويُظهرون أنفسهم كأصحاب رؤى إصلاحية للسياسات العامة، فيما لا تكون هذه “الرؤى” سوى حاجة ظرفية تزول فور صدور النتائج الانتخابية.

إنّ أي مسار تشاوري حقيقي يحتاج إلى برنامج سياسي متشعّب، يُحاكي وجع الرأي العام وهمومه. ومن المفترض بالناخبين التفاهم سلفًا، وبالطرق القانونية المُلزِمة، على أي مشروع يُعرض على الدوائر الخمس عشرة، أي في جميع الدوائر لا في دائرة بعينها. وبصريح العبارة، يُفترض أن يكون هناك مرشحون من طراز التمثيل الصادق والتمثيل المؤثّر في مواقع القرار الداخلي والعربي والدولي. وبالطبع، فإنها معادلة تشكّل جزءًا من قلق الرأي العام، وتتجاوز الوعود المعسولة والخطابات الشعبوية.

هل فعلًا تحمل زيارات المرشحين والسادة النواب مشروعًا ديمقراطيًا حقيقيًا؟ أم أنّ الهمّ الديمقراطي، بمعناه الدستوري–الديمقراطي الشامل، ليس من أولويات هذه القوى السياسية التي تُمسك بالسلطة؟ وهل يقضي مفهوم الديمقراطية باستبدال أشخاص ميسورين فقط لحجز مقعد على لائحة معيّنة، بدل البحث عن مرشّح رزين يعرف أصول التشريع ويفهم وظيفة النيابة العامة؟ وهل يسمح الظرف الراهن باللعب على عامل الوقت؟

ثمة ظاهرة غريبة لدى الأحزاب اللبنانية التي لا تستوفي أصلًا شروط التسمية الحزبية. وتكمن هذه الظاهرة في شحّ الأموال، الأمر الذي أجبر هذه الأحزاب على استبدال نواب بآخرين، والعذر أقبح من ذنب، إذ يُقال: “هناك قوى إقليمية ودولية تمتنع عن دعمنا في هذه المرحلة، وبالتالي نحن مُلزمون بالبحث عن ميسورين ومقتدرين ماليًا لخوض المعركة الانتخابية كي نحافظ على مكاسبنا!”. نِعمَ هذه الديمقراطية، ولعن الله هذه الأحزاب.

لم نسمع حزبًا يحمل مشروعًا إصلاحيًا حقيقيًا، ولا همّ المواطنين، ولا همّ السيادة، ولا همّ مؤسسات الدولة، ولا همّ المودعين، ولا همّ الصرف العشوائي الذي أغرق الخزينة بالديون وأرهق المواطنين، ولا همّ التوظيف العشوائي الذي أنهك المالية العامة. كل ما نسمعه حتى الآن، وكالعادة، هو إعادة تموضع هذه الأحزاب العفنة حول ذاتها وحول أنصارها، لاستخدامهم عند الطلب.

أين نحن من برامج دعم القوى الشرعية اللبنانية؟ وأين نحن من سنوات تطبيق اتفاق الطائف وتعزيز قدرات الدولة، حتى نسمع اليوم ذريعة “نحن بحاجة إلى وقت”؟ أين نحن من هدر الأموال؟ من أهلك الجيش بجيوش ميليشياوية؟ أين وزراء الدفاع على امتداد هذه السنوات، وماذا أنجزوا؟ وأين لجنتا الدفاع والخارجية في مجلس النواب، ولماذا لم تناقشا مسألة تعزيز قدرات القوات المسلحة؟ ومن أعطى الحق، أصلًا، بتكريس سلطة الميليشيا في البيانات الوزارية؟!

على كل مرشح أن يُقارب مسألة السيادة الوطنية من زاوية استقلالية، لا ارتهانية ولا عمالة. فالقوى المسلحة هي جوهر وجود الوطن، غير أنّ القوة تصبح أمتن وأصلب بقدر ما تكون قواتنا، عديدًا وأفرادًا، منخرطة في محيطها الاجتماعي. وبالتالي، فإن وجود مراكز عسكرية شرعية في مناطق الأطراف يشكّل عامل استقرار واندماج. ومن هنا، على كل مرشح أن يتناول، بجدية ودقة، مفهوم الولاء المحلي، القاضي بإيكال مهمة حماية كل لبنان، ولا سيما الأطراف، إلى أبناء تلك المناطق. وهذه التجربة، كما يلحظها علم العسكر، تستجيب لضرورة ثلاثية: الوفاء المطلق – القرب – اللحمة.

هل سيأتينا مرشّح يحمل ملف الجنسية وخطر مرسوم التجنيس وبيع الأراضي، في مواجهة هذا الصمت التقليدي، والتجارة السياسية بهذا المرسوم؟ علمًا أنّ من تجنّسوا بموجب المرسوم رقم 5247 تاريخ 20 حزيران 1994، وبعد مرور هذه السنوات، منحوا الجنسية لفروعهم، ما جعلهم خطرًا محدقًا بالتوازن الديمغرافي. ومن هنا، يبرز سؤال جوهري: أين هم الزعماء اللبنانيون، العلمانيون والروحيون، الذين يدّعون الحرص على صيغة العيش المشترك، من خطر مرسوم التجنيس ومفاعيله؟!

هل سيأتينا مرشّح يحمل مشروع قانون يحدّد المهل الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية بشكل صارم؟ هل سيأتينا مرشّح يحمل مشروع قانون يمنع أي تعديل للدستور وفق أهواء الساسة؟ هل سيأتينا مرشّح يحمل مشروع قانون يحدّد المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة، وهي، بمنطقيتها الدستورية، جزء من سجال مزمن بين الرئاسات الثلاث؟

البرنامج السياسي المطلوب هو ترك الحرية للناخب، لأن الديمقراطية تشترط مبدأ الاستماع إلى صوت الشعب، والقبول والتسليم بما يختاره. ولا سبيل إلى ذلك إلا بسلوك نهج الانتخابات والاقتراع الحر.

البرنامج السياسي المطلوب هو ترك الحرية للناخب، والالتفاف نحو الدولة ومؤسساتها الشرعية، المرتكزة على التفكير بالوطن وبالمصلحة الوطنية العليا. فلو تحقق ذلك، وسرنا نحو صناديق الاقتراع، وأدلينا بأصواتنا لمن يحمل الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحقيق الاستحقاق النيابي المأمول والنتائج المرجوّة، لكنا بألف خير.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.