جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني… مشروع تنموي للإنسان والمكان

تُعرَّف التنمية على أنّها نهج فكري يهدف إلى تلبية احتياجات الشعوب في مختلف المجالات: السياسية، والفكرية، والاقتصادية، والمالية، فضلًا عن حماية المجتمعات من العاهات البنيوية التي ترهقها وتحدّ من قدرتها على النهوض. وعليه، فإنّ التنمية، وفق وجهة نظرنا في جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، تتمحور حول تلبية تطلّعات الجيل الشاب اللبناني، وإلقاء الضوء على أبرز الأهداف الرئيسية لأي مشروع تنموي مستدام. وللتذكير، فإنّ الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة عام 2015، حدّدت سبعة عشر هدفًا، ومئة وتسعًا وتسعين غاية، ومئتين وأربعة وأربعين مؤشرًا، بغية تحويل العالم وتحقيق مستقبل أفضل.

ومن ضمن أهداف الجمعية إرساء ثقافة وطنية شاملة، متحرّرة وملتزمة في آنٍ واحد بالقانون وبالمواثيق والأعراف الدولية، وذلك من خلال دمج ما تحمله هذه الثقافة من مفاهيم ضمن منهج فكري استقلالي، مرن ومتوازن، من دون التعرّض لأي مواضيع من شأنها الإساءة إلى المناهج الدينية أو المسّ بأهدافها. وبما أنّ غاية الجمعية تتمثّل في تعزيز انتماء المواطن لوطنه وولائه له دون سواه، وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه، أي شركائه في الوطن، فإنّ ذلك يتحقّق بفعل تنمية القدرة على المشاركة العملية، وتعزيز الشعور بالإنصاف، وتكريس المشاركة الفاعلة. ويأتي الهدف النهائي في إعداد مواطن متعلّم، قادر على المساهمة في تطبيق النظم المنفتحة والتعددية التي تزداد المطالبة بها إلحاحًا.

كما يندرج ضمن المشاريع التي تنوي الجمعية إطلاقها، متى توفّرت الظروف والإمكانات، دعم فرق المجموعات الريفية والخدماتية، بهدف تمكين هذه الفئات من التعلّق بمجتمعاتها المحلية والالتصاق بها بدل هجرها، لتتحوّل إلى عوامل تغيير قادرة على إحداث تحوّل إيجابي في بيئتها وحياتها. ويتمّ ذلك من خلال اعتماد العملية التشاركية، المتمثّلة في إشراك المجتمع المحلي في مسار التمكين، على أن يُعمل على تحقيق هذا الهدف عبر تعزيز الصفة الفاعلة، الفردية والجماعية، للسكان الريفيين، مع التركيز الدائم على إدماج النساء والشباب والأشخاص الأكثر تهميشًا في المجتمع المحلي.

وقد لاحظنا أنّ الجمهورية اللبنانية، على امتداد المحافظات والأقضية كافة، تعاني من غياب سياسات ناجعة قادرة على معالجة مختلف المشكلات التي تعيق التنمية المحلية في المجتمع اللبناني. وتُعدّ أبرز هذه المشكلات، بل العراقيل إذا جاز التعبير، التي يواجهها المواطن اللبناني في مختلف المناطق، غياب إدارة فاعلة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في أنماط الحياة وأساليب العيش. إذ إنّ الإدارة ذات الكفاءة والجودة، في حال توافرت، تُسهم بشكل مباشر في الارتقاء بالمستوى الحضاري والمعيشي للمواطنين. واللافت أنّ المجتمع اللبناني يفتقد، في معظم الأحيان، إلى الممارسة الفعلية للخدمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويرزح تحت وطأة سياسات غير رشيدة لا تتلاءم مع مستوى التقدّم الذي بلغته دول الجوار. وانطلاقًا من ذلك، نحن على يقين بأنّ الجمعية ستعمل على بلورة مشروع إنمائي مستدام يشمل جميع المحافظات والأقضية.

إنّ تحسين البنى التحتية في مختلف المحافظات والأقضية يتطلّب اعتماد استراتيجيات شاملة تهدف إلى تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز جودة الحياة. وتشمل هذه الاستراتيجيات تطوير أنظمة النقل العام للحدّ من الازدحام وتقليل الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى تحديث شبكات المياه والصرف الصحي، بما يضمن توفير خدمات فعّالة ومستدامة. كما يُعدّ الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عاملًا أساسيًا في تعزيز الإدارة الذكية للمدن، بما يسهّل عمليات التخطيط والتنسيق بين مختلف الخدمات. وإلى جانب ذلك، تهدف الجمعية إلى تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية، والجهات المانحة، بما يضمن تنفيذ مشاريع البنية التحتية على نحو يتلاءم مع احتياجات المجتمع.

وتعتبر جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني القطاع السياحي أحد أهم القطاعات الاقتصادية التي تُسهم في نمو الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة، نظرًا إلى دوره المحوري في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة والتراث الثقافي. ويُعدّ أحد أهداف الجمعية العمل على تعزيز التنمية السياحية المستدامة، نظرًا لأهميتها الاقتصادية الكبيرة، وذلك من خلال تبنّي مفهوم يهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من السياحة والمحافظة على الموارد البيئية والثقافية. ويشمل ذلك استخدام الموارد بشكل فعّال، وتقليل البصمة الكربونية للنشاط السياحي، والحفاظ على التنوع البيئي والثقافي. كما تسعى الجمعية إلى أن تكون السياحة المستدامة نموذجًا يُحتذى به لتحسين تجربة السياح، مع ضمان استفادة المجتمعات المحلية من العوائد السياحية، فضلًا عن مساهمة هذا النموذج في حماية المواقع الطبيعية والتراثية، وإتاحة الفرصة أمام المجتمعات اللبنانية للمشاركة الفاعلة في النشاط السياحي من خلال تقديم منتجاتها وخدماتها.

وفي المحصّلة، تُشكّل التنمية بأبعادها المختلفة وآليات تطبيقها أحد الأهداف الأساسية لجمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، ولا سيّما لناحية إبراز أهمية تبنّي مفهوم المسؤولية المجتمعية، وتعزيز المساهمة في دعم أبعاد التنمية المستدامة، بما يخدم المجتمع اللبناني ويسهم في تجسيد متطلّبات التنمية المستدامة على أرض الواقع.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.