بين الحق في الوجود والحق في العدالة: أي نظام دولي نريد؟

لم يعد النقاش حول الحروب المستمرة والمتتالية في منطقة الشرق الأوسط محصوراً في حدود الصراع أو أطرافه، بل امتدّ ليطال أسس النظام الدولي نفسه.

اليوم، ثمة تساؤلات جوهرية على مستوى العالم أجمع: ما تعريف “الأمن والسلم العالميين”؟ ومن يمتلك الحق في تحديد إطارهما العام؟ وما الآلية المفترضة لفرضهما على سائر دول العالم؟

لقد ارتبط دعم إسرائيل، تاريخياً، باعتبارات سياسية وأخلاقية ضمن سياق السرديات الغربية. غير أن هذا الدعم يواجه اليوم اختباراً متزايداً، ليس فقط سياسياً، بل أيضاً من حيث العبء القانوني والأخلاقي الذي يفرضه على الدول الداعمة لنشأة هذا الكيان على أرض فلسطين، التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني بغرض تعزيز قيام الدولة الفلسطينية، لا إنهاء وجودها.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد نزاع إقليمي، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام الدولي على التوفيق بين القوة والقانون.

من التضامن إلى الإحراج فالتورّط الدولي

تشير تحليلات حديثة صادرة عن مؤسسات بحثية غربية، مثل مجلس العلاقات الخارجية (CFR) في نيويورك وتشاتام هاوس في لندن، إلى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل بات يُنتج تحديات متزايدة للسياسة الخارجية الغربية، خصوصاً في ما يتعلق بالمصداقية في قضايا حقوق الإنسان.

كما أظهرت تقارير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) في بروكسيل أن استمرار العمليات العسكرية من دون أفق سياسي واضح يهدد بتوسيع دائرة الصراع العالمي، ويزيد من عزلة بعض الدول الداعمة للحلول العسكرية على المستوى الدولي.

في هذا السياق، ومن خلال هذه التقارير والتحليلات، لم تعد الإشكالية تُعالج تحت عنوان: “لماذا يتم الدعم؟”، بل بات الأمر تحت مجهر أوسع، وصارت مقاربته تقوم على أساس: “كيف يمكن تأمين التوافق بين تقديم الدعم والاستمرار في احترام الالتزامات المعلنة بأحكام القانون الدولي؟”.

الحق في الدفاع عن النفس أم الحق في تقرير المصير؟

يعترف القانون الدولي بحق الدول في الدفاع عن النفس، وهو حق مكرّس في أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن هذا الحق مقيّد بمبادئ أساسية، أبرزها “التناسب”، ووجوب “التمييز بين المدنيين والمقاتلين”، وكذلك ضرورة “احترام القانون الدولي الإنساني”.

في مقابل هذا الحق، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عدة قرارات تُعدّ من تراث هذه المنظمة الدولية، ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، القرار 3236 لعام 1974، حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في الاستقلال والسيادة.

وقد شددت تقارير صادرة عن مقررين خاصين للأمم المتحدة على أن تجاهل هذه الحقوق يُقوّض أي أساس لحل مستدام.

هنا تتجلى الإشكالية المركزية على مستوى العالم أجمع، وهي مسألة “ازدواجية المعايير”، إذ لا يمكن لنظام قانوني يُراد له أن يكون عادلًا ومستمرًا، والأهم أن يظل متماسكًا، أن يسعى إلى تطبيق بعض المبادئ والقواعد، في حين يمعن في تجاهل مبادئ وحقوق أخرى.

«حرب غزة» نقطة التحول العالمي

أثارت الحرب في غزة، التي انطلقت مع أحداث 7 تشرين الأول 2023، نقاشاً قانونياً واسعاً وجدالاً سياسياً متواصلاً، ولا سيما بعد الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والمتعلقة باتهامات بخرق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

وفي أوامرها المؤقتة، أكدت محكمة العدل الدولية ضرورة اتخاذ تدابير لمنع أعمال قد تندرج ضمن نطاق الإبادة الجماعية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى أهالي قطاع غزة. كما أصدرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إلى جانب تقارير خبراء مستقلين، تحذيرات متعددة من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، ولفتت إلى مخاطر جدية، كما وردت تقارير تؤكد وقوع جرائم حرب.

هذا التطور القانوني أعاد طرح سؤال جوهري حول حدود إلزامية القانون الدولي في ظل التوازنات السياسية القائمة.

إن تلك النداءات الدولية، والتطورات التي تبعتها على الأرض، والمتمثلة في استمرار الأعمال الحربية وتجاهل كل التحذيرات الأممية، لم تكن مقتصرة على مسار قانوني دولي غالباً ما يواجه صعوبات في التنفيذ، رغم قيمته القانونية والمعنوية، بل حملت أيضاً تحولاً في الضمير العالمي حيال كيفية مساءلة الدول حين تضرب عرض الحائط بأحكام القانون الدولي في ظل التعقيدات السياسية. وهل عادت شريعة الغاب، التي أدت سابقاً إلى حربين عالميتين، لتصبح هي السائدة والمسيطرة؟ وبات الرأي العام العالمي، ولا سيما على مستوى النقاشات الصحافية، يتساءل عن مدى تمتع النظام السياسي العالمي بـ”المصداقية”.

هل تم تجاهل القوانين الدولية؟

إن النظام الدولي الحديث هو نتاج تراكمات جاءت بعد تجارب إنسانية قاسية، ولا سيما في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تأسس على فكرة مركزية محورها “تقييد استخدام القوة وحماية المدنيين”.

وفي هذا السياق، نجد أن التقارير الصادرة عن مؤسسات مثل معهد بروكينغز في واشنطن، والمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) في بروكسيل، تشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم ليس في غياب القواعد، بل في ازدواجية تطبيقها وغياب آليات الإنفاذ الفعالة.

فقد باتت الدول متأكدة من أن أحكام القانون الدولي انتقائية، إذ يتم فرض تنفيذها أحياناً من قبل الدول العظمى متى توافقت مع مصالحها، ويتم تجاهلها حين تتعارض مع تلك المصالح، وهو ما يفضي إلى تآكل الثقة به، وبالتالي إلى إضعاف النظام الدولي نفسه، وسائر المنظمات الدولية التي تسعى إلى تطبيقه، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

أين يقف العالم العربي؟

بحسب دراسات صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط، الذي يتخذ من بيروت مقراً له، فإن المنطقة العربية تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات في ظل ضعف مؤسساتي في أغلبية الدول. غير أنه، في الوقت نفسه، تبرز أدوار إقليمية مؤثرة، ما يعكس أن دول هذه المنطقة لم تعد مجرد ساحات للصراع.

وانطلاقاً من ذلك، فإن المنطقة العربية، بكل بساطة، باتت ساحة فاعلة لإعادة رسم التوازنات الدولية والدلالة عليها. وإذا أردنا الحديث عن لبنان كنموذج، يمكننا رصد تقاطعات بين مختلف الأزمات المحلية، ممزوجة بالصراعات الإقليمية والدولية.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن لبنان يواجه واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية في العصر الحديث، الأمر الذي يزيد من هشاشة الدولة اللبنانية، ومن تعرضها المتزايد لمختلف الضغوط الخارجية. لذلك، ينقسم الداخل اللبناني بين توجهات تدعو إلى التكيف مع النظام الدولي، وأخرى ترى في المقاومة خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالسيادة والكرامة الوطنية.

هذا التباين يعكس بجلاء تعقيدات المشهد اللبناني، حيث لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد أو الأمن أو التوازنات الإقليمية.

«الأمن والسلم الدوليان» مفتاح الحل

تُظهر التحليلات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن الاعتماد المفرط على الأدوات العسكرية لم ينجح في تحقيق استقرار دائم في مناطق النزاع. لذلك، يبرز اتجاه متزايد يدعو إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن، وربطه بالعدالة السياسية والتنمية.

وفي هذا الصدد، يدعو المعهد المذكور إلى ضرورة التفكير في إطار دولي جديد، أو في مؤتمر دولي شامل، يكون برعاية الأمم المتحدة، لإعادة تقييم آليات حفظ السلم الدولي.

ختاماً، لقد طُرحت سابقاً مبادرة السلام العربية في قمة بيروت، وطالبت حينها بـ”حل الدولتين” بوصفه صيغة سياسية ممكنة تفتح الباب أمام التهدئة العامة في منطقة الشرق الأوسط، وكان شعارها: “الأرض مقابل السلام”.

غير أن هذه المبادرة أُجهضت، ولأنها أحرجت دول العالم، فإن وأدها يطرح اليوم تحديات متزايدة على أرض الواقع. لتعود الأسئلة الأساسية وتطرح نفسها من جديد: هل يمكن تحقيق الأمن من دون عدالة؟ وهل يمكن تجاهل حقوق الشعوب من دون كلفة طويلة الأمد؟

إن العبر التاريخية التي تستند إليها العديد من الدراسات حول العالم تشير إلى أن الصراعات التي لا تجد حلاً عادلاً تبقى مفتوحة مهما طال الزمن. وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن العالم يواجه أزمة نزاع فحسب، بل أزمة معنى: هل ما زال القانون الدولي إطاراً ناظماً للعلاقات بين الدول، أم أنه أصبح أداة تُستخدم حيناً وتُعطَّل حيناً آخر؟

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.