حرب إيران تُفاقمها: الضرورة الجيوسياسية – الاقتصادية لتنويع مصادر الطاقة

عن الصحافة الغربية

لقد كشفت الحرب في إيران عن هشاشة عميقة ومتجذّرة للهيدروكربونات داخل النظامين الجيوسياسي والاقتصادي العالميين.

ليس المقصود أن الحرب بحد ذاتها أصبحت متقادمة أو آيلة إلى الزوال. فالحروب بين الدول لا تزال ظاهرة شائعة، ولا يوجد ما يشير إلى أن الحروب قد أصبحت أو ستصبح متجاوزة. إلا أن الشكل الحالي للحرب، الذي يعتمد على الطائرات غير المأهولة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والاستخبارات المعتمدة على الأقمار الصناعية، قد حلّ إلى حدّ كبير محل النموذج السابق الذي كان يقوم أساساً على الصواريخ بعيدة المدى المزودة برؤوس نووية والموجّهة نحو أهداف ثابتة. وقد ظهرت ملامح هذا التحول بوضوح في الحرب الروسية–الأوكرانية، وهي أكثر وضوحاً في الحرب الإيرانية.

لقد ارتكزت الحروب الحديثة على الهيدروكربونات منذ أن بدأت المحركات البخارية باستخدام الفحم لتشغيل السفن. واليوم، لا تزال مشتقات النفط تشكّل العمود الفقري لمحركات تشغيل الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والطائرات المأهولة، كما تُستخدم أيضاً في المركبات المدرعة وفي عمليات نقل الإمدادات إلى الجنود.

ومن الأسس الجوهرية للحرب حرمان العدو من الموارد التي يحتاجها لمواصلة القتال. فهذه الموارد، إذا دُمّرت، يمكن أن تُشلّ قدراته. ولهذا السبب، لم تُستخدم أنظمة الأسلحة الجديدة في ميادين القتال فحسب، بل استُخدمت أيضاً لاستهداف مختلف أشكال البنية التحتية النفطية. والسيطرة على وسائل استخراج النفط ونقله وإنتاج مشتقاته أو تدميرها تُعدّ أمراً بالغ الأهمية. هنا، تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً: فبعض المناطق تزخر بالنفط، في حين أن مناطق أخرى تفتقر إليه، كما أن ثمة حاجة دائمة لنقل النفط من مكان إلى آخر.

عندما تندلع حرب في دولة أو منطقة منتجة رئيسية للنفط، وتتعرض منشآت الإنتاج والتكرير للشلل، فإن دولاً لا علاقة لها بالنزاع تتأثر سلباً. مثلاً، تنتج إيران نحو 5% من النفط العالمي، فيما يمرّ ما يصل إلى 30% من النفط العالمي عبر مضيق هرمز. وقد جاء رد إيران على حملة القصف الأميركية والإسرائيلية بإغلاق هذا الممر، ما شكّل ضغطاً اقتصادياً ليس فقط على خصومها، بل على النظام العالمي بأسره. ورغم وجود عدد كبير من منتجي النفط والغاز في العالم—ومنهم الولايات المتحدة التي تتمتع باحتياطيات كبيرة—فإن أسعار النفط آخذة في الارتفاع، مهددة الاستقرار الاقتصادي لعدد لا يُحصى من الدول.

تشير التقديرات التقريبية إلى أن الشرق الأوسط يساهم بنحو 30% من إجمالي إنتاج النفط العالمي. وليس من المستبعد تصور اندلاع حرب أوسع في المنطقة تؤدي إلى تعطّل الإمدادات وإضعاف صادرات السعودية، ثاني أكبر مورد للنفط في العالم. وإذا ما انجرت الولايات المتحدة وروسيا وكندا—وجميعها من كبار المنتجين—إلى حرب إقليمية واسعة، واستخدمت فيها أسلحة غير نووية لتعطيل إنتاج النفط ونقله، فإن ذلك قد يؤدي إلى كارثة عالمية.

وعليه، فإن مسألة النفط بوصفه أساس الاقتصاد العالمي لا تتعلق فقط بالاحتباس الحراري، بل أيضاً بالهشاشة الجيوسياسية. ويترتب على ذلك أن الاعتماد على النفط يُعدّ مسألة أمن قومي من الدرجة الأولى، وأن تنويع مصادر الطاقة يصبح أمراً ضرورياً.

لست شخصياً مختصاً مباشراً في هذا المجال، لكنني أجريت مؤخراً نقاشات مع عدد من الخبراء—من بينهم مارك لاندري من شركة PrometheOn Technologies في ولاية نيو مكسيكو، والذي شغل سابقاً منصب خبير طاقة في الحكومة الأميركية ويعمل حالياً مستشاراً في أمن الطاقة الوطني—لفهم الخيارات المتاحة. ويشير لاندري إلى أن المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs) باتت تُصمَّم بحيث تكون أكثر أماناً، مع تحكّم أكبر في اليورانيوم، ما يجعل وقوع كوارث بحجم “ثري مايل آيلاند” و”تشيرنوبيل” أمراً غير مرجّح بدرجة كبيرة. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه المفاعلات يُفترض أن تكون أقل كلفة، فإن الانشطار النووي يظلّ محفوفاً بتكاليف خفية عديدة، كما أن اليورانيوم—على غرار النفط—متوفر بكثرة في بعض الدول ونادر في دول أخرى.

أما البديل الثاني فهو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي تتمتع بميزة كونها الأقل تكلفة، إلا أن عيبها يكمن في تحديات التخزين، إضافة إلى أن شبكات الكهرباء الحالية لا تزال تعتمد على بنية قديمة تعود إلى ما صمّمه توماس إديسون وجورج ويستينغهاوس قبل أكثر من 130 عاماً. وسيستغرق تحديث هذه الشبكات عالمياً سنوات طويلة لتلبية احتياجات الطاقة الحديثة.

البديل الثالث فهو ما يُعرف بالطاقة الحرارية الأرضية العميقة. فباطن الأرض دافئ، ونواتها شديدة الحرارة. ومن خلال الحفر العميق—على غرار الحفر لاستخراج النفط ولكن بعمق أكبر وصولاً إلى الصخور المنصهرة—يمكن إيجاد مصدر كبير للطاقة الحرارية الأرضية القادر على تشغيل الاقتصاد، بل وحتى قطاع النقل مستقبلاً. وتتمثل ميزته الأساسية في كونه متاحاً في معظم أنحاء العالم.

باختصار، ما لم تتطوّر هذه البدائل بسرعة، فإن تكنولوجيا المفاعلات النووية الصغيرة قد تشكّل حلاً انتقالياً إلى حين بلوغ مزيج من الطاقة الشمسية والرياح والاندماج النووي والطاقة الحرارية الأرضية مرحلة النضج، بما يوفّر بديلاً أكثر مرونة وصلابة للنفط والغاز، اللذين سيظلان مستخدمين، لكن ليس كركيزة أساسية للاقتصاد العالمي.

لقد أصبح الاعتماد على النفط والهيدروكربونات في بقائنا الاقتصادي أمراً محفوفاً بالمخاطر، سواء من زاوية الاحتباس الحراري أو—وبشكل أكثر وضوحاً—من زاوية الحروب التي يمكنها تعطيل الإنتاج ووقف النقل. وهذه حالة نموذجية يتداخل فيها العامل الجيوسياسي مع الاقتصادي، حيث تسهم التكنولوجيا الجديدة في التخفيف من المخاطر، رغم ما قد تنطوي عليه من نقاط ضعف.

هكذا، بالنظر إلى طبيعة البشر، دائماً ما ستظل الحروب تهديداً قائماً. وبالتالي، سيبقى تنويع مصادر الطاقة ضرورة جيوسياسية أساسية لا غنى عنها.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.