لبنان بين تآكل الشرعية الاقتصادية وتراكم الأمل

قراءة هادئة في الداخل اللبناني في ظلال الخارج

ليست الأزمات السياسية في لبنان حدثًا طارئًا في تاريخه، بل تكاد تكون جزءًا بنيويًا من تكوينه. غير أنّ ما نعيشه منذ عام 2019 يتجاوز كونه أزمة دورية عابرة، إذ يمسّ جوهر الشرعية التي تستند إليها أي سلطة. عن الشرعية الاقتصادية أتحدث؛ تلك التي أفرزت مشروع قانون الفجوة المالية، وقانون الموازنة الذي جرى إقراره فانهمرت الرسوم والضرائب على الناس. حين تفقد الأنظمة قدرتها على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لمواطنيها، تبدأ بالتآكل التدريجي، حتى وإن بدت مؤسساتها قائمة شكليًا.

وحين نقرن كلمة «الاقتصادية» بالشرعية، فهذا يعني أنّ الاقتصاد السياسي في البلاد لا بدّ أن يكون منضبطًا تحت مظلّة منظومة من القوانين والأنظمة. إلا أنّ ما حصل في لبنان هو العكس تمامًا، إذ تبارت السلطات الدستورية، دون استثناء، على انتهاك هذه المنظومة، والتلاعب بالمحرّمات القانونية، ما أنتج وجعًا وطنيًا قلّ نظيره.

الشرعية الاقتصادية كركيزة للسلطة

تقوم شرعية الأنظمة عادة على ثلاث ركائز أساسية: الشرعية التاريخية، والشرعية القانونية ــ المؤسساتية، والشرعية في الأداء، أي القدرة على تحقيق النمو والاستقرار وتوفير الخدمات. في الحالة اللبنانية، لم يكن النظام يومًا مستندًا إلى سردية وطنية جامعة، بل إلى توازنات طائفية أنتجت نظامًا معقّدًا من المحاصصات والتسويات، غالبًا ما كانت تُدار على وقع تدخلات إقليمية هدفت إلى إخماد الجمر المرتبط بشبح عودة الحرب الأهلية، وإبقائه تحت الرماد.

لذلك، ارتبطت شرعية السلطة في لبنان، خلال العقود الماضية، بمدى قدرتها على تأمين دورة اقتصادية مقبولة، سواء عبر القطاع المصرفي الذي كان يُقدَّم للعالم العربي كنموذج يُحتذى، أو عبر التحويلات الاغترابية، أو الخدمات السياحية وما تنتجه من فرص عمل نسبية.

عندما انهار هذا الأساس في الربع الأخير من عام 2019، لم ينهَر الاقتصاد فحسب، بل تزعزعت الركيزة التي كانت تسمح للنظام بإعادة إنتاج نفسه. لم يعد بإمكان السلطة أن تخاطب الناس بمنطق «اصبروا فالنمو سيعود»، ولا أن تستخدم أدوات الزبائنية التقليدية بالفاعلية نفسها. ترافقت هذه المرحلة مع محاولات فاشلة لتمرير قانون «الكابيتال كونترول»، ومع تعاميم هدفت إلى تنظيم «الهيركات» المالي الواقعي، فضلًا عن تكشّف شبكات الدولة العميقة في الألعاب المالية، التي أفضت إلى ملاحقة حاكم مصرف لبنان السابق وسجنه.

هنا بدأ التآكل، لا على شكل انفجار فوري كالذي شهده بيروت في آب 2020، بل عبر مسار استنزاف بطيء ومتراكم. فالأنظمة التي تفقد شرعيتها الاقتصادية لا تسقط بالضرورة بثورة حاسمة، لكنها تدخل مرحلة تآكل تدريجي، تتراجع فيها الثقة، ويتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وتتحول الدولة إلى إطار هشّ يكتفي بإدارة الأزمة بدل السعي إلى حلّها.

17 تشرين… حدث لم تنتهِ مفاعيله

شكّلت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 التعبير الأوضح عن لحظة فقدان الثقة الشاملة. للمرة الأولى منذ عقود، نزل اللبنانيون إلى الشارع خارج الاصطفافات الطائفية التقليدية، رافعين شعارات تتجاوز الانقسامات المذهبية. صحيح أنّ هذه الحركة واجهت التفافًا منظّمًا من قِبل المنظومة السياسية، استُغلّ خلاله المشهد لتهريب الأموال إلى الخارج، وصحيح أنّ قوى وصولية حاولت تسلّق موجتها، لكن اختزالها بالفشل أو بالاستعمال الممنهج يُغفل حقيقة أساسية، مفادها أنّ الأفكار التي أطلقتها لم تمت.

فالتحركات الشعبية الكبرى في التاريخ نادرًا ما تُحدث تغييرًا جذريًا من الموجة الأولى. غالبًا ما تكون بمثابة كسر لحاجز الخوف وفتح أفق جديد في الوعي العام. قد تخفت الضوضاء في الشارع، لكن التحول الحقيقي يحدث في العمق. 17 تشرين 2019 هي امتداد لتحركات شعبية سبقتها في عامَي 2011 و2015. وقد طال التغيير اللغة السياسية، ومعايير المساءلة، وطرق مقاربة العمل الدستوري، من خلال اللجوء إلى المجلس الدستوري، وتقديم الأسئلة إلى الحكومة، فضلًا عن تغيّر النظرة العامة إلى الطبقة الحاكمة.

ما حدث بعد 17 تشرين، من خيبة أمل في أداء بعض من سمّوا أنفسهم «نواب التغيير» داخل المجلس النيابي، لا يلغي التحول الوجداني الذي أصاب شريحة واسعة من المجتمع. فالخيبة جزء من المسار، ولها ظروفها وأسبابها، لكنها ليست نهايته. بل قد تكون محطة ضرورية لإعادة التفكير في واقع المجموعات والمنصّات والجمعيات، وفي أدوار بعضها المشبوهة، تمهيدًا لتصويب المسار واستعادة المعنى الحقيقي للتغيير.

مسؤولية المجتمع… ما بين الضحية والشريك

من السهل تحميل الطبقة السياسية كامل المسؤولية، وهي تتحمّل الجزء الأكبر منها بلا شك. غير أنّ المجتمعات ليست كيانات بريئة بالكامل من نتائج خياراتها. فعندما يُعاد انتخاب القوى نفسها، وحين تُقدَّم الولاءات الطائفية على البرامج السياسية، وحين يغيب مشروع بديل متكامل، يصبح المجتمع شريكًا، ولو جزئيًا، في إنتاج أزمته.

لم تكن المشكلة محصورة بأداء القوى التغييرية داخل البرلمان فحسب، بل في غياب مشروع سياسي متكامل خارج البرلمان. لم تُعقَد جلسات نقد ذاتي جدّية بعد التجربة الأولى، على الرغم من كثرة الدعوات إلى ذلك. ولم تُطرح أسئلة مؤلمة وضرورية حول قضايا التنظيم، والقيادة، والتمويل، والأولويات، والخطاب السياسي. وبدل الانتقال إلى مرحلة بناء بديل واضح المعالم، تحوّلت بعض المجموعات إلى حالة ردّ فعل دائم، تكتفي بالمواجهة الظرفية دون بلورة أفق استراتيجي.

أي حركة تغيير، كي تستمر، تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية: رؤية اقتصادية واضحة، وبنية تنظيمية صلبة، وقدرة على مخاطبة المخاوف الطائفية بواقعية لا بشعارات عامة. من دون هذه العناصر، يتحول الغضب الشعبي إلى طاقة متبددة، عاجزة عن التحول إلى مشروع سياسي مستدام.

البعد الدولي… حين يطغى وحين ينحسر

لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه، فتاريخه الحديث مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات الإقليمية والدولية. في فترات الانقسام الداخلي الحاد، يشتد تأثير الخارج، إذ يبحث كل فريق داخلي عن داعم إقليمي أو دولي يعزّز موقعه. ومع تراجع الثقة بين المكوّنات الداخلية، يتحول الخارج إلى لاعب أساسي، لا مجرد وسيط بين الأطراف.

غير أنّ اللافت هو أنّ التأثير الدولي ينحسر نسبيًا في لحظات الاستقرار الداخلي. فعندما يتوافر حدّ أدنى من التوافق الوطني، تتقلص قدرة القوى الخارجية على الاستثمار في الانقسام. فالخارج لا يفرض نفوذه في فراغ، بل يبني تأثيره على شروخ قائمة داخل البنية الوطنية.

أما في مراحل الفرقة الوطنية، كالتي يعيشها لبنان اليوم، فيتحول البلد إلى ساحة تبادل رسائل بين الدول، وتغدو كل أزمة داخلية قابلة للتدويل. وفي المقابل، حين يتوافر حدّ أدنى من التوافق، قد ينحسر الدور الخارجي إلى مستواه الأدنى، ليصبح راعيًا للتوازن القائم لا صانعًا له.

اليوم، ومع استمرار التوترات الإقليمية وتعدّد المحاور الدولية، يبدو لبنان أكثر عرضة لتأثير الخارج، لأن الانقسام الداخلي يفتح الباب واسعًا أمام هذا التدخل. إلا أنّ هذا التأثير ليس قدرًا ثابتًا، بل هو انعكاس مباشر لهشاشة الداخل وعجزه عن إنتاج توازن وطني مستقر.

التآكل أم الانفجار؟

هل نحن أمام انهيار شامل؟ التجربة التاريخية اللبنانية لا تميل إلى الانفجارات الحاسمة بقدر ما تميل إلى التسويات المرحلية. غير أنّ التآكل المستمر يحمل في طيّاته خطرًا مختلفًا، يتمثّل في فقدان المعنى العام للدولة. فعندما تصبح المؤسسات شكلية، ويُطبَّق القانون بانتقائية، ويغدو الاقتصاد غير الرسمي أساس الدورة الاقتصادية في البلاد، يترتب على ذلك فقدان المواطن شعوره بالانتماء إلى عقد اجتماعي واضح ومُلزم.

ومع ذلك، قد يفتح هذا التآكل نافذة لإعادة التفكير. فالمنظومة التي تعيش على إدارة الأزمات تصل، في لحظة ما، إلى حدود قدرتها على المناورة والاستمرار. السؤال الجوهري ليس ما إذا كان التغيير سيحدث غدًا، بل ما إذا كان هذا النظام قادرًا على الاستمرار بصيغته الحالية لعقدين آخرين.

الأمل كتراكم لا كقفزة

الأمل في الحالة اللبنانية لا يمكن أن يكون رهناً بحدث مفاجئ أو بزعيم كاريزمي. فإذا كان هناك أفق حقيقي للتغيير، فهو يكمن في التراكم: تراكم الوعي، وتراكم الخبرة التنظيمية، وتراكم شبكات التضامن خارج الإطار الطائفي.

مفاعيل 17 تشرين لم تنتهِ، لأنها غيّرت معيار الحكم على السلطة. لم يعد الفساد موضوع همس، ولم تعد الطائفية محصّنة من النقد كما في السابق. هذا التحول الثقافي قد لا يترجم فوراً في صناديق الاقتراع، لكنه يؤسّس لمرحلة مختلفة في الوعي السياسي والاجتماعي.

غير أنّ التراكم يحتاج إلى صبر وإلى نقد ذاتي شجاع. يحتاج إلى الاعتراف بالأخطاء بدل الاكتفاء بلوم المنظومة. كما يحتاج إلى تحويل الإحباط إلى مراجعة جامعة، لا إلى انسحابات فردية أو جماعية تُضعف الفعل العام بدل أن تعزّزه.

بين الداخل والخارج… مساحة الفعل الممكن

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارين متوازيين: تآكل مستمر في الشرعية الاقتصادية، وتأثير دولي يتضخم مع كل انقسام داخلي. لكنه، في المقابل، يحمل بذور تراكم وعي جديد لم ينضج بعد، ولم يجد بعد أدواته التنظيمية والسياسية الكفيلة بتحويله إلى قوة تغيير فاعلة.

غير أنّ التراكم وحده لا يكفي إذا بقي حبيس النخب، أو محصوراً في النقاشات النظرية. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأسئلة الكبرى من شأن خاص بالمحللين والمهتمين، إلى ملك عام تعمل عليه مختلف أطياف المجتمع. لذلك، وبدل أن يُختَم هذا التحليل بنظرة فلسفية من علٍ، يصبح من الضروري فتح الباب أمام التفكير العملي في أربع إشكاليات أساسية تنتظر من الناس أداءً وإجابات.

الإشكالية الأولى تنطلق من فرضية باتت شبه جامعة، مفادها أن المنظومة الحالية لم تعد قادرة على إنتاج حلول ناجعة. والسؤال هنا: ما هو شكل «المشروع البديل المتكامل» القادر على جمع اللبنانيين حول أفق مشترك لاجتراح الحلول؟ هل هو مشروع اقتصادي تنموي واضح المعالم؟ وهل يمكن لبرنامج سياسي أن يعبر الطوائف من دون أن يلغي الخصوصيات، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على كسر الحاجز الطائفي عند صناديق الاقتراع؟

أما الإشكالية الثانية، فتفرض علينا التفكير في كيفية ترجمة ما سمّيناه «تراكم وعي جديد» من مستوى الشعارات إلى مستوى الممارسة السياسية، ولا سيما في الاستحقاقات الانتخابية. كيف يمكن مواجهة آلة الزبائنية الطائفية التي تمتلك تمويلاً إقليمياً وإعلاماً نافذاً، في وقت ما تزال فيه قوى التغيير مشتتة وتفتقر إلى خطاب موحّد؟ وبعبارة أخرى، كيف نضمن أن هذا الوعي المتراكم سيتحوّل إلى سلوك انتخابي مختلف؟

ومن هنا نصل إلى الإشكالية الثالثة، التي تتعلق بمسار النهوض نفسه: هل يمكن للبنان أن ينهض عبر تعزيز ما هو قائم، أي من خلال إصلاح المؤسسات الرقابية والقضائية أولاً؟ أم أنّ أي إصلاح مؤسساتي يبقى رهينة الطبقة السياسية ما لم يرافقه مشروع بديل شامل؟ هل نبدأ بتغيير الأشخاص، أم بتغيير القوانين، أم بكليهما معاً ضمن مسار متكامل؟

أما الإشكالية الأخيرة، فتتصل مباشرة بمسؤولية المجتمع. فإذا كنّا شركاء في إنتاج هذه المنظومة، عبر إعادة انتخاب القوى نفسها مراراً، فكيف ننتقل من موقع «الضحية» إلى موقع «الفاعل»؟ من هي الجهة، أو المجموعة، أو الآلية القادرة على إعادة ترتيب البيت الداخلي للمجتمع المدني، بعيداً عن الانقسامات والولاءات الشخصية التي أضعفته في محطات مفصلية؟

تدلّ هذه الإشكاليات على أن الطريق طويل ومتعرّج، لكن التاريخ لا يتحرك بخط مستقيم. فالأنظمة التي تفقد شرعيتها الاقتصادية تتآكل، والمجتمعات التي تتعلم من إخفاقاتها تتراكم خبرتها. وبين التآكل والتراكم، تتحدد ملامح المستقبل اللبناني.

السؤال المطروح اليوم ليس: هل سيتغيّر لبنان؟ بل: متى يصل التآكل إلى النقطة التي تفرض التغيير الفعلي؟ وهل سنكون، كلبنانيين بكل مكوّناتنا، قد أعددنا بديلاً واضحاً لاستثمار تلك اللحظة، بدل أن تعيد المنظومة القائمة على الدولة العميقة ابتلاعنا مرة جديدة؟

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.