قضية الموقوفين الإسلاميين في لبنان: جرحٌ مفتوح في جسد الدولة

«مقترح قانون العفو العام» لن يحل إشكالية الصراع بين الأمن والعدالة

ليست قضية الموقوفين الإسلاميين في لبنان ملفاً أمنياً عابراً، ولا مادةً صالحة للاستثمار الطائفي أو الإعلامي أو الانتخابي. إنها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تقع عند تقاطع الدولة والأمن والعدالة والطائفة والفقر والحرب السورية والانهيار الاجتماعي الذي أصاب البلاد على مدى سنوات طويلة.

ولعلّ أخطر ما في هذا الملف أنه تحوّل مع الوقت إلى مساحة تختلط فيها الحقائق بالاستثمار السياسي، والحقوق الإنسانية بالمزايدات، والألم الحقيقي للناس بالرغبة في الشهرة والزعامة والتموضع الإعلامي.

فبين من أراد تحويل كل موقوف إلى “قدّيس مظلوم”، ومن أراد تصوير بيئات كاملة وكأنها حواضن طبيعية للإرهاب، ضاعت الحقيقة وضاعت معها فرص العلاج الحقيقي.

الدولة ليست عدواً، وتقديس الخطأ خطيئة

لا يمكن لأي مقاربة وطنية مسؤولة أن تتجاهل أن لبنان واجه خلال حقبة النظام السوري السابق ومرحلة ما بعد الحرب السورية تحديات أمنية فعلية وخطيرة، تمثلت بحصول تفجيرات، وتواجد جماعات مسلحة، ووقوع اشتباكات دامية، ولا أحد يمكنه إنكار حقيقة الاستهدافات التي طالت الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية.

كما لا يمكن القفز فوق حقيقة أن المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية دفعت أثماناً بشرية كبيرة في تلك المرحلة، وأن حماية الاستقرار لم تكن مهمة سهلة في بلد هش ومفتوح على كل احتمالات الانفجار.

لكن في المقابل، فإن حماية الدولة لا تعني تحويل مؤسساتها إلى كيانات فوق النقد والمحاسبة، لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بالعدالة. والدولة التي لا تراجع أخطاءها تفقد تدريجياً ثقة الناس بها، حتى لو امتلكت القوة.

والاعتراف بوجود مكامن خلل داخل بعض المسارات القضائية والأمنية ليس استهدافاً للمؤسسات بل هو تحصين لها بما يمنع تكرار الوقوع في الأخطاء نفسها، فالإقرار محاولة لإنقاذ هيبة السلطات في الدولة من التآكل البطيء الذي يصيبها حين تصبح المراجعة ممنوعة والنقد خيانة.

 التوقيف الاحتياطي الطويل ليس عدالة

واحدة من أكثر النقاط إيلاماً في ملف الموقوفين الإسلاميين تتمثل في التوقيفات الاحتياطية الطويلة التي امتدت في كثير من الحالات إلى أكثر من عشر سنوات فعلية في السجن قبل صدور الأحكام النهائية.

في أي دولة تحترم نفسها، لا يجوز أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة. ولا يجوز أن يمضي إنسان عشر سنوات أو أكثر خلف القضبان فيما محاكمته لم تستكمل بعد بصورة عادلة وسريعة وواضحة.

فالعدالة البطيئة ليست عدالة. وحين تصبح مدة التوقيف أطول من العقوبة المحتملة نفسها، فإن الدولة تكون أمام خلل قانوني وأخلاقي خطير، لا يمكن تغطيته بالشعارات الأمنية أو بالمزايدات السياسية.

ومن هنا، فإن النقاش حول قانون العفو العام لم يكن يوماً مجرد قضية طائفية كما حاول البعض تصويره، بل كان أيضاً انعكاساً لعطب عميق أصاب بنية العدالة نفسها، وما أصاب طائفة بعينها من خلل نتيجة الحسابات السياسية وضعف المرجعيات، قد يصيب غيرها مع تبدل الظروف، والعبرة يجب أن تبقى في سمو العدالة واستقلالية السلطة القضائية.

الفقر والتشدد: وجهان لم يُرد أحد رؤيتهما

الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الدولة والسياسة والإعلام معاً، كان اختزال البيئات التي خرج منها الموقوفون الإسلاميون بصورة “البيئات الحاضنة للإرهاب”، من دون محاولة فهم الظروف الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي دفعت بكثير من أبناء تلك البيئات نحو التشدد أو الانغلاق.

فالبيئات المهمشة التي تعيش الفقر، الحرمان، البطالة، غياب التعليم، وانعدام الأفق قد تتحول بسهولة إلى أرض خصبة للغضب والكراهية والانفجار.

بطبيعة الحال، فإن هذا الواقع لا يبرر حمل السلاح أو الانجرار خلف الجماعات المتشددة، لكنه يفسر كيف يصبح الإنسان الهامشي مادة سهلة للاستغلال من قبل تجار الدين، أو تجار السياسة، أو أجهزة الاستخبارات، أو أمراء الحروب الصغيرة. ولا يمكن تجاهل أن جزءاً من الطبقة السياسية التي تولّت إدارة مرحلة ما بعد الطائف خرج أساساً من رحم الحرب الأهلية نفسها.

لقد اختار كثيرون التعامل مع هذه الظاهرة أمنياً فقط، فيما كانت تحتاج أيضاً إلى عدالة، وتنمية، وعلاج اجتماعي، ومقاربة نفسية وفكرية عميقة. فالمجتمعات التي يُترك فيها الناس للجوع والإذلال ثم يُطلب منهم أن يكونوا دائماً عقلانيين ومتوازنين، هي مجتمعات تُدفع دفعاً نحو الانفجار.

حين يتحول الاعتدال  إلى عقدة دفاع عن النفس

في مرحلة معينة، نشأ داخل البيئة السنية شعور قاسٍ بأن عليها أن تثبت براءتها الوطنية باستمرار، وأن أي خطأ يرتكبه فرد منها يتحول إلى عبء جماعي على الطائفة بأكملها.

وهنا ظهرت أزمة “الاعتدال السني” حين تحوّل أحياناً من مشروع وطني جامع إلى حالة دفاع نفسي دائم، يسارع فيها البعض إلى إعلان براءته من أي شخص يحمل توصيف “الإسلامي” أو “المتشدد”، حتى قبل معرفة الوقائع كاملة.

وكانت النتيجة أن جزءاً من المجتمع شعر بأنه متروك من المرجعية السياسية، ومن المرجعية الدينية، ومن النخب التي خافت من كلفة الدفاع عن العدالة حين يصبح الملف حساساً.

وهنا وقعت القطيعة الأخطر بين الناس ومؤسساتهم.

تجارة القضايا الإنسانية

لكن الإنصاف يقتضي أيضاً قول الحقيقة الكاملة، فليس كل من تحدث عن الموقوفين الإسلاميين كان مدفوعاً فقط بالعدالة.

هذا الملف تحول عند بعض الأشخاص إلى منصة ظهور، واستثمار إعلامي، ومصدر تمويل، وباب لصناعة البطولات الفردية.

هؤلاء ألحقوا ضرراً بالقضية لا يقل أحياناً عن ضرر الظلم نفسه. ذلك لأن المظلوم لا يحتاج إلى خطيب يرفع صوته أمام الكاميرات ثم يختفي عند اللحظات الصعبة، والمظلوم لا يحتاج إلى بطل في الألعاب الانفرادية داخل ساحات الملعب القضائي، بل يحتاج إلى عمل قانوني جدي، توثيق دقيق، بناء ملفات متماسكة، ومواجهة طويلة النفس داخل المؤسسات.

إن تحويل آلام الناس إلى تجارة سياسية أو إنسانية أو إعلامية، هو شكل آخر من أشكال الاستغلال، مهما كانت الشعارات براقة، في بلد تتقاطع فيه السياسة والأمن والإعلام والعلاقات الشخصية بصورة معقدة.

لا دولة بلا عدالة… ولا عدالة بلا شجاعة

لبنان لا يحتاج إلى خطاب تعبوي جديد، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسام الطائفي تحت عناوين مختلفة.

ما يحتاجه فعلاً هو قضاء سريع وعادل، مؤسسات أمنية قوية لكنها خاضعة للمحاسبة، مرجعيات دينية مستقلة لا تُطوّع بالمال والسياسة، وطبقة سياسية تدرك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى فقط بالسجون والحواجز، بل أيضا بالكرامة والعدالة والتنمية.

الظلم لا يصنع استقراراً، كما أن التحريض لا يبني دولة. وكل بيئة تُترك طويلاً تحت وطأة الفقر، والإذلال، والشعور بالاستهداف، ستتحول عاجلاً أم آجلاً إلى قنبلة اجتماعية موقوتة، يدفع الجميع ثمن انفجارها.

إن معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين لا يجب أن تكون مناسبة للثأر السياسي ولا للتبرئة الجماعية، بل فرصة نادرة لمراجعة مرحلة كاملة من تاريخ لبنان، بجرأة وهدوء ومسؤولية.

فالدول القوية ليست تلك التي تدّعي الكمال، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائها قبل أن تتحول هذه الأخطاء إلى قدر دائم.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.