لم تغيّر الحرب واقع الدوائر الرسمية، أو تطهّرها من الفساد المتعشّش داخلها، أو لنقل من “الإكراميات” التي تُفرض على كل معاملة لتُنجز، تحت طائلة “تنام بالجارور لأشهر” إن لم تُكرم الموظف.
واقع بات “موضة” في هذه الدوائر، اعتاده المواطنون الذين يحسبون ألف حساب لتكلفة كل معاملة. فكل توقيع له سعر، وتبدأ القصة من إكرامية الـ50 لتصل نحو الـ500 وربما أكثر حسب نوع المعاملة. وطبعًا هناك موظفون يرفضون “إكرامية المال”، غير أنهم يطلبون “إصلاح عطل سيارة”، “تنكة زيت”، وغيرها من الطلبات بحجة “عم احكيكي يا جارة تتسمعي يا كني“.
تتوالى الأصوات التي ترتفع من هذا الواقع، وطبعًا، لا حياة لمن تنادي. “محاربة الفساد” لم تطرق دوائر الدولة، بل تسير داخلها ضمن خطٍّ متوازٍ بحسب ما تقول مصادر متابعة، التي ترى أن “إنجاز أي معاملة يحتاج إلى دفشة، سواء مالية أو سياسية، حينها تسير خط نار، وغير ذلك تحتاج وقتًا أطول قد يستغرق أشهرًا“.
“إدفع، بتمشي معاملتك”، معادلة تسير في أروقة دوائر العقارية والمالية والتنظيم المدني ومعظم الدوائر الرسمية. واقع يتعايش معه الناس الذين يعترضون، ولكنهم يدفعون لإنجاز معاملاتهم بشكل أسرع، وفق مصدر متابع: “لم يتغيّر شيء داخل أروقة الدوائر الرسمية، خاصة التي تُعنى بإنجاز المعاملات العقارية أو التي تحتاج إلى تعديل التصنيف، وهنا قد تكلّف المعاملة آلاف الدولارات، وقد تصل إلى 100 ألف دولار إذا كان العقار أكبر من 50 دونمًا“.
يختلف الواقع حكمًا بين دائرة وأخرى حسب نوعية المعاملة والزبون، بات الكل يعرف “تسعيرة كل معاملة” ويتعاطى مع هذا الأمر على أنه “أمر واقع لا مفر منه”، دون أن يُخفي المصدر أن “المعاملات العادية تُنجز أيضًا، ولكن تحتاج وقتًا أطول، وهو ما يعيق عملية استكمال أي معاملة“.
ومما لا شك فيه، أن سوق إنجاز المعاملات تراجع بشكل لافت في الآونة الأخيرة بسبب التخوّف من الحرب، وكُثُر يفضّلون التريّث خشية اندلاع حرب، فيُفضّلون الحفاظ على السيولة بدلًا من الدخول “في مغامرة معاملة وتقع الحرب”. هذا الأمر رفع من نسبة “الإكرامية” مقابل العدد المحدود للمعاملات، كي يحافظ الموظف في تلك الدوائر، بحسب المصادر، “على المدخول الشهري الذي يجنيه من الإكراميات“.
لا تختلف دائرة عن أخرى ولا منطقة عن أخرى، المشهد واحد في كل الدوائر. ما يختلف هو حجم الإكراميات ومدى تعلّق الموظف بها لإنجاز أي معاملة.
بين العقارية والمالية والتنظيم المدني “شبكة معقدة” من إنجاز المعاملة، فالمواطن العادي قد يُنجز المعاملة ولكن بعد أخذ ورد وكرّ وفرّ وثغرة هنا وعقبة هناك، لأنه لا يعرف أن “قانون إنجاز المعاملة في دوائر لبنان الرسمية يبدأ بالإكرامية“.
لأسابيع، بقيت يمنى تذهب إلى التنظيم المدني لتنجز تسجيل مبنى لها، في كل مرة كان يُطالعها الموظف بوجود ثغرة مخالفة. تقول: “كنت أفاجأ بتأجيل إنجاز المعاملة رغم أنها قانونية، غير أنه كان يتحجّج بوجود ثغرة يجب معالجتها”، وتضيف: “بقيت أكثر من شهر في هذه الدوامة، إلى أن نصحني أحدهم بدفع إكرامية للموظف لتنجز المعاملة“.
للوهلة تقول: “لم أصدق. ولكن في الحقيقة دفعت 300 دولار ومشيت المعاملة بثوانٍ“.
التمريقات في التنظيم المدني حدّث ولا حرج. تغيير بتصنيف العقار، إنجاز معاملة مخالفة للقانون قد تكون منجزة في مكان مخالف، تمريقات حقّها مصاري، وفق مصدر مسؤول: “إن هناك عقارًا كبيرًا يوازي 500 دونم مصنّفًا زراعيًا، بقدرة الإكراميات تمّ تصنيفه سكنيًا ورفع التخمين مقابل إكرامية تخطّت الـ50 ألف دولار“.
وفق المصدر، “هذا واقع تعيشه الدوائر الرسمية في منطقة الجنوب كما كل لبنان، ما يحصل فيها نسخة طبق الأصل عن دائرة في أي منطقة، وطبعًا الكل يعرف هذه الأمور ويغضّ الطرف عنها“.
“الفساد محمي في لبنان”، عبارة يقولها مصدر متابع، لافتًا إلى أن “التلاعب بتخمينات الأراضي كبير، طالما الكل مستفيد من معقّب المعاملات إلى الموظف والرئيس وربما السياسي، فالفساد هنا بطعم الربح المادي“.
ليست الدولة ببعض أجهزتها بعيدة عن هذا الفساد، فهي أكبر شريك له في عملية بيع الطوابع التي تدخل في كل معاملة، وهي نفسها في بعض الأوقات كانت تبيع الطوابع، وفق المصدر المتابع، في “سوق سوداء”، بحيث جرى ابتداع حلّ عبر الدفع عبر “الويش مانيWish Money” ليتبيّن أن العمولات التي تحصلها الدولة مضاعفة عن سعر الطابع.
وهنا يقول المصدر: “إذا الدولة هيك، لا نتفاجأ بموظفيها، عالطالع بدن إكرامية، وعالنازلة بدن إكرامية، ولم تعد تكفيهم الـ100 دولار“.
كثيرًا ما تسمع عبارة “ما عم تمشي المعاملة، واقفة، حاطين شوكة داخلها، بدا دفشة”. عبارة يقول ذو الفقار إنه سمعها كثيرًا ولم يكن يصدق أن الدخول إلى دوائر الدولة يحتاج “ميزانية“.
“فكّرت أن أسجل البناية التي أملكها في منطقة النبطية، فتفاجأت أن تكلّفني تقريبًا فوق الـ15 ألف دولار، وعمولة تزيد عن 500 دولار، فقررت التريّث قليلًا”، كما يخبرنا.
ويضيف: “سابقًا كنا نسجل العقار بـ50 دولار وندفع عمولة 500$، اليوم دخلت الدولة على الخط فزادت من عمولتها على المعاملة بعد دولرة الأسعار وارتفعت عمولة الموظف، فكيف نشتغل؟ الدولة شريك فعلي في السمسرة“.
لا تتوقف السمسرة على الدوائر الرسمية، بل تطال أيضًا مخافر الدرك حيث التمريقات ومخالفات البناء تتم عبر “المسّمرات”. ادفع بتمرق، ما بتدفع بيتوقف البناء. معادلة أرستها الأوضاع الاقتصادية التي شكّلت الدافع الرئيس لكثيرين للدخول في عالم “الإكراميات” التي باتت جزءًا من إنجاز أي معاملة في لبنان…
فأهلًا بكم في جمهورية “الفساد” في دوائر تحوّلت إلى “بنك” لأي موظف.
يقول مصدر متابع: “الكل بات يعرف تسعيرة المعاملة، سواء معقّب المعاملات أو المواطن العادي، وبات يُحضّر المبلغ مسبقًا لأنه يريد لمعاملته أن تبصر النور لا أن تنام في الأدراج”. ويضيف: “هناك من يأخذ كاش، وهناك من يفضّل هدايا عينية، حونة، إصلاح سيارة وغيرها من الهدايا، ولكن في النهاية الواقع واحد، واقع يعرفه الكل ويتعايش معه وبعلمٍ مسبقٍ من الدولة“.
السؤال الأبرز هنا: هل يجب أن يتعايش الناس مع معادلة “الإكرامية تُنجز معاملتك”؟
بالمحصلة، الدولة شجّعت على هذا الأمر بفضل سياساتها غير المنصفة للرواتب، والإكراميات ليست وليدة اليوم، بل برزت بشكل كبير بسبب الأوضاع الاقتصادية. حتى البلديات، أو بعضها، دخل في هذا الأمر عبر بدعة “الهبات” التي تُدفع لتُنجز معاملات البناء وتُضبط التخمينات.
ما يعني أن البحث عن تحسين الأوضاع المعيشية للموظف بات يتم عبر إكراميات الناس، والدولة موافقة عليه… فابتسم، أنت في لبنان.

رمال جوني
صحافية ومراسلة ميدانية
