الخبيث يزحف بصمت… من حريق النفايات إلى صدور الناس

 

السرطان يتمدّد جنوبًا. أعداد الإصابات مرتفعة ومخيفة. النفايات، ومعها التدخين وآثار الصواريخ السامة، أسهمت في رفع أعداد الإصابات، ليسجّل الجنوب ومنطقة النبطية أعلى نسبة إصابات بـ”الخبيث”.

تخترق روائح حرائق المكبّات العشوائية القرى، وتتسلّل إلى كل منزل وبيت. صرخات المواطنين لا تهدأ: “أوقفوا هذه المجزرة بحقّنا”، ولكن لا حياة لمن تنادي.

من وادي الكفور، حيث حرائق النفايات والإطارات متواصلة، إلى مكبّات زفتا والنميرية، مرورًا بكفررمان وكفرتبنين، صعودًا نحو قرى إقليم التفاح، مكبّات عشوائية تحوّلت موطنًا للسرطان، الذي ينتشر بكثافة في قرى النبطية. أكثر من ألف إصابة سنويًا تُسجّل في مستشفى النبطية الحكومي، والعدد مضروب بأربعة أضعاف، وهو إلى تزايد في ظل تفاقم الأسباب المسبّبة للخبيث.

وحده شهر تشرين الأول من كل عام يُذكّر العالم في لبنان بضرورة التوعية من مخاطر سرطان الثدي، في حين تبقى باقي الأنواع مهمَّشة دون توعية، علمًا أنّه وفق آخر إحصائية نُشرت، ظهر تزايد في أعداد الإصابات بسرطان الرئة، والبروستات، والكبد، وغيرها من السرطانات التي تتسلّل اليوم إلى أجساد الناس جرّاء انبعاث الغازات السامّة الناتجة عن حرق مكبّات النفايات العشوائية المنتشرة على تلال القرى، وارتفاع نسبة التدخين، ليُضاف إليها اليوم آثار الصواريخ السامّة التي استخدمتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة.

وفق دراسة أجرتها صحيفة دايلي ميل، استندت فيها إلى دراسة مجلة Lancet العلمية، كشفت أن لبنان يحتل المرتبة الأولى عالميًا في الإصابة بمرض السرطان، وأن نسبة الوفيات بهذا المرض تبلغ 80%.

في حين تحتل منطقة النبطية والجنوب المرتبة الأولى بنسبة الإصابات بهذا المرض، بحسب ما قالت رئيسة قسم الأمراض السرطانية في مستشفى نبيه بري الجامعي، الدكتورة هيفاء دبوق، التي رأت في حديث لموقع ” بيروت 2030″ أن “العدد الكبير والمرتفع من الإصابات يُعدّ مؤشرًا خطيرًا، ومردّه إلى ارتفاع كلفة العلاج والفحوصات، وعجز المريض عن تغطية الكلفة، فهو يصل إلى المستشفى في وقت متأخر من عمر المرض”.

كثيرٌ من مرضى السرطان يقفون عاجزين عن متابعة علاجهم، إذ تُسجّل كلفة العلاج أسبوعيًا نحو 300 دولار، ما يعني أن على المريض دفع ما يقارب 1200 دولار شهريًا. تبقى فاطمة، الشابة التي تقف عاجزة عن توفير ثمن علاج أمّها، شاهدةً على هذا الواقع: “وضعُنا تحت الصفر، أبي مريض، وأمي مصابة بالسرطان، وأنا بلا عمل. كلفة العلاج على نفقة الضمان أسبوعيًا 300 دولار، وأحيانًا لا يتوفر المبلغ فنؤخر العلاج، وهذا حُكمًا ينعكس على صحة أمي، فالعلاج أكبر من قدراتنا”.

لا تُخفي دبوق حقيقة الحال، فتقول: “منذ الأزمة المالية التي عصفت بلبنان، تخلّت شركات التأمين والجهات الضامنة عن مسؤولياتها تجاه المرضى، وأضيفت إلى ذلك تجارة الدواء، حيث بات دواء السرطان لا يتوفر إلا في السوق السوداء بكلفة مرتفعة جدًا، ما دفع بكثير من المرضى إلى التخلّي عن العلاج الباهظ، وهذا أدّى إلى ارتفاع الإصابات”.

كان يُطلق على السرطان سابقًا اسم “المرض الخبيث”، وكان مرعبًا للناس، أما اليوم فقد بات يسيطر على أجساد الكثيرين، بسبب التدخين المزمن بشكل أساسي.

وبحسب دبوق: “نسبة كبيرة من الإصابات سببها التدخين، والاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية، ناهيك عن الآثار السامة للقنابل التي استخدمتها إسرائيل في حربها على لبنان، ما رفع عدد الإصابات بشكل كبير”.

تعالج مستشفى نبيه بري الجامعي عبر قسم الأمراض السرطانية سنويًا آلاف المرضى، وقد لجأ إليها كثيرون  بحسب دبوق  لتوفّر العلاج للمرضى الأقل قدرة مادية. “عدد المرضى هائل وكبير، وهذا يستدعي حُكمًا دقّ ناقوس الخطر”.

وبرأيها، فإن “الكلفة الاقتصادية العالية للعلاج، إلى جانب ضعف برامج التوعية والكشف المبكر عن المرض، خاصة في مناطق الجنوب، مضافًا إليها نقص الكوادر التمريضية وعدم توفّر عيادات الدعم النفسي، كلها عناصر أسهمت في إدخالنا النفق المظلم في تاريخ المرض الخبيث، الذي يستدعي اليوم إطلاق حملات توعية واسعة في كل المدارس، وتعزيز واقع المستشفيات الحكومية لمواجهة المرض”.

لا توجد قاعدة بيانات دقيقة وواضحة بعدد الإصابات السنوية، غير أن وزارة الصحة بدأت مؤخرًا حملة واسعة للتوعية من مخاطر مرض السرطان، يُعوَّل عليها كثيرًا للحد من انتشار “الخبيث”، في زمن يواجه فيه الناس واقعًا اقتصاديًا صعبًا وعلاجًا مُكلفًا.

لا يخفي الدكتور جلال حيدر  هذا الواقع إذ يقول لموقع “بيروت 2030” أنّ أرقام الأمراض السرطانية في لبنان مخيفة وفي ازدياد. واعتبر من الضروري أن “نرفع الصوت لنخفّف آلام المرضى وعائلاتهم، ونخفّف العبء عن الفاتورة الاستشفائية التي تُرهق المواطن والدولة معًا بات ضرورة”.

ورأى أن” كلفة فحوصات الكشف المبكر عن الأمراض السرطانية وندوات التوعية، أقلّ بكثير من كلفة العلاج”. وهذا ما ستبدأه وزارة الصحة بحسب ما قال.

عاد الخبيث ليحتل الصدارة جنوبًا، في ظل صعوبة العلاج لكثير من المرضى، فهل تتحرك الدولة لوضع حد لمسببات هذا المرض وأبرزها إقفال المكبات العشوائية قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة؟

مقالات الكاتب

رمال جوني

صحافية ومراسلة ميدانية