آخر شحنة قمح لا تصلح حتى للعلف… لكنها وصلت إلى مائدة اللبنانيين!

من المرفأ إلى الفرن… طريق القمح الفاسد مفروش بالمحسوبيات

حتى رغيف الخبز طالَه الغش، إذ لم يعد في معظمه صالحاً للأكل. بالكاد يصمد بضع ساعات بعد الخَبز، ثم يتحوّل إلى مادة “للكبّ”، وفق تأكيد الأهالي الذين ذهبوا إلى حدّ القول: “ما بقى عارفين شو عم ناكل”.

احتلّ رغيف الخبز المغشوش واجهة الأخبار وتصدّر المشهد، خصوصاً أنه رفيق الناس اليومي على موائدهم.

تقول زينب فقيه: “لم نعهد الخبز بهذه الحالة، يصبح تالفاً ويتمزّق وكأن عمره شهر”.

وتسأل سعاد يحيى: “لا أدري أي نوع من الطحين يُستخدم حالياً. سابقاً كانت ربطة الخبز تصمد أسبوعاً، أما اليوم فنشتريها وهي بايتة”.

ولا يخفي محمد ياسين شكوكه بأن “الطحين المستخدم في صناعة الخبز مضروب، حتى المرقوق منه، وكأننا نأكل تبناً”.

هذا الواقع يفتح الباب على سؤال كبير حول القمح المستورد ونوعية الطحين المعدّ لصناعة الخبز في لبنان: ماذا يأكل اللبناني اليوم؟ ولماذا تراجعت جودة الرغيف إلى هذا المستوى؟ وأين هي الرقابة والمحاسبة؟

منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019، تبدّل كل شيء في لبنان. لم يعد هناك ما هو “صالح مئة في المئة”، إذ تسلّل الغشّ والتلاعب إلى معظم السلع، بحثاً عن تحقيق الأرباح، حتى القمح المستورد لم يسلم من هذا الانحدار.

تكشف مصادر متابعة لموقع “بيروت 2030” أن “عدداً كبيراً من شحنات القمح المستوردة، سواء من روسيا أو أوكرانيا، لا يطابق مواصفات السلامة الغذائية”، مضيفةً أن “بعض القمح المستورد يأتي بجودة رديئة جداً”. وتشير المصادر إلى أن “الشحنة الأخيرة التي دخلت إلى مرفأ بيروت قبل ثلاثة أسابيع كانت ذات نوعية متدنية، إذ لم تتجاوز نسبة بروتين القمح فيها 8%، وهي نسبة لا تجعل القمح صالحاً حتى للعلف، ومع ذلك جرى توزيعها على عدد من المطاحن”.

قبل الأزمة، كان لبنان يصدر الطحين إلى دول الخليج، بفضل جودة إنتاجه العالية. اليوم أُغلق هذا الباب، بعدما انخفضت نوعية الطحين في بعض المطاحن التي باتت تلجأ إلى المحسّنات الكيميائية لتعويض ضعف الجودة. وقد انعكس ذلك مباشرة على رغيف الخبز الذي يشبّهه المواطن محمد جزيني بـ”الرغيف المضروب”.

عاد ملفّ الخبز والطحين إلى الواجهة من بوّابة “الكبسة” التي أجرتها لجنة الصحة في بلدية العباسية على عدد من الأفران ضمن نطاقها البلدي، والتي تبيّن أن معظمها “غير مطابق لمواصفات السلامة الغذائية”. وتأتي هذه الحملة في إطار تشديد الرقابة على الأمن الغذائي، وقد سجّلت اللجنة – بحسب رئيسها الدكتور حبيب عجمي – “سابقة” في العمل البلدي، موضحاً أن اللجنة قامت بجولات على الأفران الثلاثة داخل البلدة، حيث رُصدت مخالفات لافتة في نظافة المخابز والعاملين، وحتى في طريقة توضيب الخبز.

وأمهلت البلدية الأفران عشرة أيام لتصحيح المخالفات، على أن يُعاد الكشف من قبل المراقب الصحي للتأكد من التزامها بمعايير النظافة والسلامة العامة. وقال عجمي: “سنواصل الرقابة شهرياً على الأفران وكل ما يتعلّق بالغذاء، ولن نتساهل مع أي مخالفة تمسّ صحة الناس”، مشيراً إلى أنه “بعد انتهاء المهلة وإعادة الكشف، ستُتخذ الإجراءات القانونية بحق كل من لم يلتزم بالضوابط والمعايير”.

من جهته، كشف أستاذ الرقابة الصحية ذو الفقار زلزلي في حديث لـ”بيروت 2030″ أن لجنة الرقابة “تقوم بعمل صارم ودقيق، خصوصاً بعد اكتشاف مخالفات فادحة، منها غياب النظافة ووجود صدأ على طاولات العجن، والتدخين قرب العجّانات”.  ويرى زلزلي أن “40% فقط من الأفران تلتزم بمعايير النظافة، فيما تخالفها 60% منها”، مشيراً إلى أن “أحد أصحاب الأفران اكتشف وجود سوس داخل الطحين الذي اشتراه مؤخراً من إحدى المطاحن التي تستورد طحيناً فاسداً بأسعار رخيصة من الخارج، ما اضطره لإتلافه”، مضيفاً أن “تخزين الطحين في أماكن تزيد نسبة الرطوبة فيها عن 85% يؤدي إلى تلفه وفقدان صلاحيته”.

بالطبع، تأتي حملة بلدية العبّاسية في سياق ضبط نظافة الأفران، وهي خطوة ضرورية نظراً لكونها تشكّل أولوية في صناعة الخبز العربي. غير أنّ الحملة لم تتوسّع لتشمل فحص نوعية الطحين المستخدم في هذه الأفران، حيث تشير المعلومات إلى وجود نوعين من الطحين في الأسواق اللبنانية: النوع الأول جيد مرتفع السعر، والثاني رديء منخفض الثمن. ووفق المصادر، “يجري خلط الطحين الرديء بالمحسّنات لتحسين جودته، غير أنّ هذا الأمر ينعكس سلباً على جودة الخبز العربي”، الذي يراه كثير من الأهالي “الأسوأ بمعظمه”، حيث يقول محمد إبراهيم: “من النادر أن تجد خبزاً جيداً، أغلبه نشتريه في الصباح ونرميه للدجاج في اليوم التالي. تجارة الخبز باتت لتحقيق الأرباح، ولو على حساب صحتنا”.

حتى خبز المرقوق لم يسلم من الغش. فالطحين البلدي الذي كان يذكّر بخبز الأجداد ذي النكهة الأصيلة، تغيّر حاله. ومعظم أصحاب أفران المرقوق أو الصاج اليوم من التابعية السورية، ومن النادر أن تجد سيدة تخبز المرقوق البلدي بالطريقة التقليدية.

في الأسواق يُباع نوعان من الطحين المخصّص لخبز المرقوق:

  • “البلدي الخالص”، وسعر الطن الواحد منه نحو 450 دولاراً.
  • و”طحين بلد البركة”، وسعر طنه 500 دولاراً، وهو الأكثر رواجاً وفق المصادر لأنه طحين مركّب، “جزء منه صبغة، وطحين أبيض، ونخالة، ومحسّن”، كما أنه أسهل استعمالاً من الطحين البلدي الذي يتطلّب دقة في الخَبز.

هذا النوع من الطحين يؤثّر مباشرة على نوعية الخبز المعروض في السوق المحلية وعلى جودته. وتضيف المصادر أنّ “غياب الرقابة الفعلية، أو محدوديتها في أحسن الأحوال، فتح الباب واسعاً أمام التلاعب برغيف الفقراء لتحقيق أرباح طائلة”.

ومع ذلك، ليس كل الطحين في السوق سيئاً. فهناك مطاحن تلتزم باستخدام قمح عالي الجودة، بنسبة بروتين تتراوح بين 12% وما فوق، خلافاً لبعض المطاحن التي لا تكترث إلا للربح، حتى لو استعملت قمحاً منخفض البروتين (دون 8%). ويستفيد بعض أصحاب المطاحن والأفران من الرقابة المحدودة التي تمارسها وزارات الزراعة أو الصحة أو الاقتصاد، ليتلاعبوا بالطحين كما يشاؤون.

حتى قطاع الحلويات لم يسلم من الغش، رغم استخدام ما يُعرف بـ”الطحين الإكسترا” المخصّص للبسكويت وكورنيت البوظة. إذ تؤكد المصادر أنّ هذا الطحين يُضاف إليه إنزيمات مبيّضة تُحسّن المظهر لكنها ذات تأثيرات ضارة على الصحة، إذ تنتمي إلى فئة “المحسّنات الكيميائية”.

في ظل هذا الواقع المقلق في قطاع الطحين، يبرز السؤال: أين الرقابة؟ أين هي من مرحلة دخول القمح إلى أهراءات الدولة، مروراً بالمطاحن، وصولاً إلى الأفران والأسواق المحلية؟

الجواب، وفق المصادر، أنّ “الرقابة محدودة وتقتصر على فحوصات سريعة غير فاعلة، فيما يُفترض أن تُلزم الوزارات المعنية المطاحن بأن تكون نسبة بروتين القمح بين 12 و16% لضمان جودة الطحين”. لكن، وكما في سائر القطاعات اللبنانية، تسود القاعدة المعروفة: “مرقلي تمرقلك، والشاطر ما يموت”.

طالما الربح هو الهدف، تبقى صحة الناس هي الضحية. فهل تتحرّك الوزارات المعنية لضبط السوق، أقله في رغيف الفقراء؟

مقالات الكاتب

رمال جوني

صحافية ومراسلة ميدانية