حتى اللحم لم يسلم من غشّ التجّار، بل بات “الغشّ” لصيقًا به في كلّ التفاصيل، من المزرعة إلى الملحمة، ومعه تحوّل المواطن إلى حقل تجارب لهذه اللحمة ومدى “فسادها”. فاللحم بات “بلا طعم ولا نكهة”، عبارة تسمعها من الناس حين تسألهم عن واقع اللحوم، وقد دفع غشّ اللحّامين كثيرين إلى اللجوء إلى “لحّام ذي ثقة محدودة” لشراء اللحم منه. واقعٌ يؤلم الناس هذه الأيام، ويعيدهم بالذاكرة إلى أيام اللحم البلدي وطعم “الفراكة” على البلاطة.
تقول هناء: “اليوم لا يمكن أن نأكل لحمة طيّبة، باتت بلا نكهة، وغالبًا ما يتغيّر لونها إلى السواد”. فيما تقول أم علي: “اللحمة تسوَدّ في أحيان كثيرة”. الكل تقريبًا يشكو من نوعية اللحوم المتوفّرة في السوق؛ فهي في الظاهر “لحم بلدي”، ولكن في المضمون “لحم مثلّج ومجمّد” يُباع على أساس أنّه بلدي، “ولا من شاف ولا من دِري”.
وبرغم ارتفاع سعر كيلو اللحم إلى مليون ومئتي ألف ليرة، بعد أن كان قبل الأزمة بـ15 ألف ليرة، لم يسلم من الغشّ، بل يتغلغل فيه إلى حدّ أنّ “اللحم المجمّد بات سيّد السوق دون منازع، والأخطر أنّه يحتلّ مطابخ المطاعم طالما الرقابة معدومة”.
لا يُخفي الطبيب البيطري وسام قبيسي خطورة الواقع، خاصةً في ظلّ تراجع نسبة الاعتماد على اللحم البلدي بشكلٍ لافت، قائلاً: “إذا ذُبحت مئة بقرة، يُستخدم مقابلها ضعفان أو ثلاثة أضعاف من اللحم المجمّد الذي يُستعمل بشكل خطِر”.
ويقول أبو جواد، صاحب إحدى الملاحم: “اللحم المثلّج ليس مضرًّا إذا استُخدم مثلّجًا، ولكن ما يحصل في الملاحم هو تذويب الثلج عنه وبيعه على أنّه طازج، وهنا تكمن الخطورة”.
يدخل اللحم المثلّج في الستيك والهمبرغر واللحم المفروم والشاورما، وكثير من المطاعم تعتمده بشكل أساسي لأنّه أرخص. وتقول مصادر متابعة لهذا الملف إنّ “هناك آلية مبردة تجول على الملاحم في مختلف القرى وتبيعها اللحم المثلّج المستورد من الهند وغيرها من الدول، فتتّخذه الملاحم ركيزة أساسية في بيعها، إذ تشتري فخذًا من البقر وتعلّقه كواجهة، بينما تبيع المثلّج للناس، ولا من شاف ولا من دِري”.
عادةً ما تطالعك عبارة: “الكيلو بـ900 ألف، وعروضات على الشاورما: كل 5 بـ500 ألف”، وغيرها. هنا تُعلِّق المصادر: “مع الأسف، اللحم المغشوش يُباع بهذه الطريقة في السوق”.
وفق أبو جواد، “اللحم المثلّج يكون عادةً من نوع الهبرة، ولا يُعلَّق كاللحم البلدي الذي يأتي من المسالخ ويُباع الكيلو منه بمليون ليرة، في حين لا يتخطّى اللحم المجمّد، سواء الهندي أو البرازيلي، الـ7 دولارات”.
بلغ الغشّ في اللحوم حدَّه داخل الملاحم، إلى درجة أنّ عددًا منها يُدخل الملوّنات إلى اللحم. لا تُخفي ريما صدمتها حين اشترت لحمةً مدقوقة من إحدى الملاحم على طريق مرج حاروف، وتبيّن أنّ داخلها لونًا زهريًّا ليُعطي لون اللحمة البلدية. تقول إنّها “تقدّمت بشكوى لدى مصلحة اقتصاد النبطية بهذا الأمر، ولكن لم يُحرّك ساكنًا”.
ليست الصبغة وحدَها ما يدخل في عمق اللحمة، بل أيضًا البهارات لتغيير الطعم، هذا عدا عن اتّباع كثيرٍ من الملاحم آلية “بيع اللحمة مفرومة مسبقًا ووضعها في الثلّاجة”، وهؤلاء – بحسب المصادر – “يرفضون بيع الناس لحمةً مفرومة مباشرةً لأنّهم يريدون بيع اللحم المجمّد أوّلًا”.
يكشف مصدرٌ أمنيّ متابع أنّ “المايسترو” في سوق اللحم المثلّج في لبنان سوريّ الجنسية، مدعوم أمنيًّا وسياسيًّا، وتُشرَّع له الأبواب لإغراق السوق باللحم المثلّج الذي يُحدَّد الكيلو منه بدولارٍ واحد ويُباع في السوق بـ7 دولارات، وفي المطاعم يصل إلى 20 دولارًا، بما يدرّ أرباحًا طائلة.
وليس المثلّج وحده من يقتحم سوق اللحم اللبناني، بل أيضًا اللحم غير المستوفي للشروط، والبقر المريض الذي يُذبح قبل موته بما يحمله من مخاطر. وبحسب الطبيب البيطري قبيسي، “فالبقر المريض عادةً ما يُباع بسعر زهيد، ويشتريه لحّامون في الأحياء الفقيرة كالمخيّمات وغيرها، وهو خطر لأنّ هذا البقر عادةً ما يكون قد أُدخل إلى جسده الكثير من الأدوية والمضادّات التي تترك آثارها على جسم الإنسان، بحيث تضعف مناعته”.
حتى المسالخ لم تكن بعيدة عن الغشّ. قبل أيام، داهمت مصلحة اقتصاد الجنوب مسلخًا في صور لا تتوافر فيه معايير السلامة الغذائية، وأقفلته بالشمع الأحمر، ما يفتح الباب على واقع المسالخ: هل هي فعلًا مضبوطة ومراقبة، أم العكس؟
وفق المصادر، “فالرقابة شكلية فقط كما كلّ شيء في لبنان. الطبيب البيطري المشرف مغلوبٌ على أمره، مُجبَر على وضع ختمه على اللحم حتى لو كان غير مطابق، تحت طائلة الفصل من العمل. وهذا الأمر ينسحب على عددٍ لا بأس به من المسالخ”. في حين يشير الدكتور قبيسي إلى أنّ “هناك مسالخ تلتزم بمعايير السلامة الغذائيّة والرقابة، غير أنّ المشكلة بما يجري خارج المسالخ من بيع لحومٍ مبرّدة على أنّها طازجة، بحيث يُشترى نصف فخذ ويُباع للناس لحمًا مبرّدًا”.
أهلًا بكم في جمهورية مافيا اللحوم. والأنكى أنّ هؤلاء يتحكّمون بالسوق اليوم، خصوصًا في ظلّ ارتفاع أسعار المواشي عالميًّا، ما يعني أنّ اللحم المثلّج سيكون الحاضر الأبرز. ومعه: “يا عروضات بالمطاعم والملاحم، أهلًا بك!”. فأين الرقابة ممّا يحصل؟
وفق المصادر، فإنّ الرقابة من قبل وزارة الصحة عادةً ما تكون شكلية، ولم يُسجَّل أيّ فحصٍ عمليّ لهذه اللحوم، باستثناء إقفال مسلخٍ بالشمع الأحمر في بلدة جويا بسبب عدم استيفائه معايير السلامة. وعدا ذلك، يبقى اللحم المثلّج الذي يُباع كـ”طازج” سيّد المشهد.

رمال جوني
صحافية ومراسلة ميدانية
