الرقص على الدم… الخيط الرابط للمجتمع الإسرائيلي

كارثة تلاحق كارثة؛ توفّي رضيعان قبل أسبوع في حضانة حريدية في القدس، ويعاني 53 رضيعًا غيرهما جرّاء مشكلات في التنفّس. هذه الفظاعة تُضاف إلى الاحتجاجات الحريدية التي تحوّلت إلى فضاءات خطِرة لسفك الدماء؛ فإلى جانب الجرحى في المواجهات مع الشرطة، قفز شابّ ولقي مصرعه في تظاهرة خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر، ودُهس فتى في الرابعة عشرة من عمره ومات في تظاهرة في مطلع هذا الشهر. وخلال الأسبوع الماضي، دُهس شاب يبلغ من العمر 17 عامًا وتوفّي في الجنوب في طريق عودته من تظاهرة، كما دُهس آخر في الثامنة عشرة من عمره، وأُصيب بجروح متوسطة في تظاهرة في مدينة القدس.

وكُتب في أحد التعليقات على الخبر الأخير: «الأفضل أكثر، الأفضل أكثر». وكتب معلّق آخر: «واحد أكثر واحد أقل، لا يُحدِث فرقًا». ثم كتب شخص ما: «خسارة أنّه أُصيب بجروح متوسطة فقط». ولم تكن ردّات الفعل على موت الرضيعَين مختلفة كثيرًا: «يا له من قطاع مقزّز، حتى الأطفال بلا قيمة في نظرهم»، هذا ما كتبه أحدهم. وكتب آخر ببساطة: «فلينقص طفيليّان».

كراهية مشابهة، لا تقلّ عنصرية، يمكن رؤيتها أيضًا تجاه من يُضطرّون إلى إمضاء الشتاء في الخيام؛ فعند تغطية أخبار البرد والفيضانات في غزة، ترتفع «درجة الحرارة» في الاستوديو في «القناة 14»، ويمتلئ بالضحكات المكتومة. وتُبدي البرامج الحوارية ابتهاجها، كما كتب نير حسّون: «أرادوا طوفان الأقصى وحصلوا عليه»، وكأنّ الأطفال الذين يتجمّدون من البرد في الخيام الممزّقة نفّذوا «المجزرة» أو ابتكروا اسمها.

هناك خيط يربط بين الإسرائيليين – معظمهم في جانب واحد من الخريطة السياسية – من الذين لا يستطيعون الاعتراف بالمعاناة الفلسطينية، والذين يرقصون على الدم المسفوك في حربٍ تحوّلت منذ زمن إلى حرب غير ضرورية، وبين أولئك – غالبيتهم من الجانب الآخر من الخريطة – الذين يشعرون بالابتهاج أمام حريديم يفقدون حياتهم في كوارث لا تقلّ عبثية؛ وهو خيط الكراهية والعنصرية.

هذا الخيط هو، أساسًا، القاسم المشترك الأدنى للمجتمع الإسرائيلي، ويعمل اليوم كغراء له. وكما تُظهر الأحداث الأخيرة، من السهل والمريح أن نتوحّد حول الكراهية والعنصرية، وكالنار في الهشيم، ومع تغيّر اتجاه الريح، يمكنهما (أي الكراهية والعنصرية) بسهولة أن تنتقلا إلى هدفٍ آخر وتجمعاه أيضًا. هؤلاء وأولئك، كارهو الحريديم وكارهو الفلسطينيين، يتيحون عمليًا العنف الذي تولّده هذه الكراهية، بما في ذلك عنف الشرطة.

«لا توقظوا كراهيةً لا ترغبون فيها ولا تُثيروها… إذا خرجت فلن يعيدها أحد، لا حاخام ولا وزير ولا كاهن»؛ هذا ما كتبه مئير أريئيل في أغنيته التنبّؤية «مدراش يوناتي» قبل أكثر من 35 عامًا. أريئيل، الذي أدرك منذ ذلك الحين مدى هشاشة نسيج الحياة في البلاد عمومًا، وفي القدس خصوصًا، يتوجّه في أغنيته إلى القدس ويطلب منها أن تمنع أفعالًا من شأنها إثارة كراهية غير ضرورية، «لا ترغبون فيها»، على حدّ قوله. ويحذّر من أنّها، حين تنفجر، ستُسبّب ضررًا لا رجعة فيه، لن يستطيع أحد إصلاحه: «سينهض ضدّنا أحدهم… كمن يستفيق من حلمه… نُمحى نحن وغنائمنا… ونغرق في هاوية».

يبدو أنّ نبوءة أريئيل تتحقّق أمام أعيننا في الأسابيع الأخيرة؛ فالكراهية موجودة فعلًا، ولا أحد محصَّن، سواء إزاء الفلسطينيين، أو الحريديم، أو اليمينيين، أو اليساريين. في العامين الماضيَين غرقت إسرائيل في الهاوية، على حدّ قول النبيّ الشاعر أريئيل، وإذا لم يُعثر على من يستطيع الإصلاح، فـ«سنُمحى نحن وغنائمنا».

مقالات الكاتب

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.