من الموضوعات المثيرة والهامّة في وطننا لبنان، التي تبرز من حينٍ لآخر، موضوع «الفساد السياسي». ويمكن القول إنّه في كل عهدٍ منذ الاستقلال الوطني عام 1943، لطالما رُفع شعار «محاربة الفساد وإصلاح الإدارة»، وهي شعارات متداولة لدى أهل السياسة، كما تناول الإعلام الكثير من القضايا التي لم تأخذ مجراها إلى قوس العدالة. وسنحاول في هذا السياق الإضاءة على تعريف ماهية «الفساد السياسي»، لعلّها تكون محاولة لإلقاء الضوء في ظلمة مغارة السياسة في لبنان.
لمفهوم الفساد جذور في الاستخدام السياسي؛ ففي «موسوعة علم السياسة» التي صدرت في الولايات المتحدة عام 1882، ورد مصطلح «الفساد في السياسة»، وتبنّى المقال مفهومًا للفساد ينبع من فكرة أرسطو، الذي رأى أنّ الطغيان هو الصورة الفاسدة للنظام الملكي. وفي بداية القرن العشرين، استُخدم التعبير بمعنى معاداة الإصلاح، وهكذا كان يحمل معنى قيميًا واضحًا. وجدير بالذكر أنّ أصل التعبير في اللغة العربية يقترب من هذا المعنى؛ ففي «لسان العرب» الفساد نقيض الإصلاح، وفي «أساس البلاغة» المفاسد عكس المصالح، وفي «مصباح الجوهري» الاستفساد عكس الاستصلاح، والمفسدة عكس المصلحة. وهكذا فإنّ مفهوم الفساد ارتبط أيضًا بعكس مفاهيم الإصلاح والصلاح والخير والصواب.
وإذا تخطّينا المفهوم اللغوي للمصطلح، نلاحظ بادئ ذي بدء أنّ الفساد ظاهرة مجتمعية يمكن دراستها من وجهة نظر أكثر من علم اجتماعي. فدارس الاقتصاد يمكنه دراسة تأثير الفساد على نمط توزيع الدخل، أو على السياسة الاقتصادية، أو على مشاريع التنمية الاقتصادية. ودارس الأنثروبولوجيا يتناول علاقة القيم بالفساد وارتباط نظام القيم السائد في مجتمعٍ ما بأنماط الفساد. ودارس الاجتماع يعرض الصور الاجتماعية المختلفة للفساد وعلاقتها بالهياكل والأبنية والعلاقات الاجتماعية السائدة وبناء الطبقات. أمّا دارس السياسة، فيعرض لشكل النظام السياسي وعلاقته بأنماط معيّنة من الفساد، ومدى تكرارها، ومدى جدّية الحكومة في محاربة الفساد، وأساليبها وأدواتها.
وباِستعراض التعريفات المتعدّدة لمفهوم الفساد، يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات من الناحية التحليلية، يركّز كلٌّ منها على أحد جوانب المفهوم:
أولًا: الفساد كانحراف عن مسؤوليات الوظيفة العامة
تبعًا لهذه المجموعة من التعريفات، فإنّ الفساد يرتبط ببروز مفهوم الوظيفة العامة في الجهاز الحكومي، والسلوك المنحرف هو ذلك الذي يخرج عن القيم والمعايير التي يجب أن يلتزم بها شاغل المنصب العام. ويربط أصحاب هذا الاتجاه بين الفساد وبعض الممارسات مثل الرشوة أو سوء استخدام السلطة المخوّلة بمقتضى القانون لاعتبارات شخصية أو مالية. فيرى أحد الباحثين أنّ الموظف العام يكون فاسدًا عندما يقبل مالًا أو هدية لأداء عمل كان ينبغي عليه القيام به بحكم وظيفته، أو عندما يقوم بعمل يمنعه القانون. وبتعبير آخر، فإنّ الفساد هو السلوك الذي ينحرف عن الواجبات الرسمية للدور العام، ومن أمثلته الرشوة، والمحاباة (إعطاء المناصب للأقارب)، وسوء توزيع الموارد العامة في المجتمع.
ثانيًا: الفساد كتطبيق لنموذج السوق أو المشروع الاقتصادي
يركّز أنصار هذا الاتجاه على تعريف الفساد على أنّه إدخال لمنطق السوق أو المشروع الاقتصادي إلى الوظيفة العامة. ويحدث هذا عندما تكون قيم الخدمة العامة مهتزّة أو غير موجودة على الإطلاق، وفي هذه الحالة ينظر الموظف إلى منصبه بوصفه مشروعًا اقتصاديًا من حقه استثماره والحصول على أكبر قدر ممكن من العائد أو الدخل.
ثالثًا: الفساد كخروج عن مفهوم المصلحة العامة
يرى أصحاب هذا الرأي ضرورة إدخال مفهوم المصلحة العامة في التحليل، باعتبار أنّ السلوك الفاسد هو سلوك غير قانوني يؤدّي إلى الإضرار بالمصلحة العامة، ويتضمّن إعلاء مصالح خاصة أو محدودة على المصلحة العامة.
وبشكل عام، فإنّ أغلب التعريفات التي نجدها في الدراسات السياسية المعاصرة تجمع بين سمتين: الأولى تركيزها على الفساد كسلوك، والثانية اعتبار الخروج عن القانون معيارًا للسلوك الفاسد. وبعبارة أخرى، فإنّ الفساد هو سلوك غير قانوني. وهي في هذا تتبع أحد التقاليد التي تعود إلى مؤلَّف جيمس برايس عن الديمقراطية الحديثة في مطلع هذا القرن، والذي ورد فيه أنّ السلوك السياسي الفاسد هو السلوك المخالف للقانون، أو هو نمط السلوك الذي يستخدم المال لتحقيق أهداف من خلال التأثير على العملية السياسية.
لقد ارتبط مفهوم الفساد في هذه الدراسات السياسية ببروز الوظيفة العامة وما ارتبط بها من مفاهيم وأفكار، مثل الخدمة المدنية، والمسؤولية العامة، وجهاز الدولة الحديثة، والفصل بين الحكم ومن يمارسه. وجوهر الفساد، تبعًا لذلك، هو سوء استخدام المنصب العام لأغراض خاصة، أو الخروج عن وظائف والتزامات الدور العام، منتخبًا كان أم معيّنًا، نتيجة اعتبارات المصلحة الشخصية أو العائلية.
في الختام، لا بدّ من التأكيد على أنّ الفساد هو نتيجة تَخلُّق أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ومن ثمّ فإنّ محاربته ينبغي أن تهدف، في التحليل الأخير، إلى إزالة أسبابه ومصادره. وإنّ الحلول التقنية أو الفنية، مثل إصدار قوانين جديدة أو إنشاء مؤسسات رقابية، لا تكفي وحدها في ظلّ وجود الأسباب الاجتماعية للفساد. كما أنّ أي دراسة للفساد ينبغي أن تأخذ في الاعتبار طبيعة المصالح التي يمثّلها النظام السياسي، وشكل النخبة الحاكمة وسلوكها بوصفها قدوة للمواطنين، ومدى التزامها الفكري والأخلاقي. فالفساد يجب أن يبقى دائمًا أمرًا محفوفًا بالخطر قانونيًا، ومدانًا اجتماعيًا وأخلاقيًا.

نسيب شمس
إعلامي وباحث وكاتب لبناني، حائز على ماستر في الإعلام وإدارة المعلومات. يعمل في مجال الإعلام ويمتلك مهارات البحث والتوثيق والكتابة، التحليل والتخطيط الاستراتيجي، واستخدام تكنولوجيا المعلومات والتواصل. خبير في شؤون الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والتواصل، وكذلك خبير في التاريخ السياسي اللبناني الحديث والمعاصر كما في الشؤون اللبنانية السياسية. خبير بحركات الإسلام السياسي في الوطن العربي ولديه اطلاع وافر على شؤون الملف الإسرائيلي. مدرب في مهارات التفكير والتخطيط والتحليل الاستراتيجي. كتب في العديد من الصحف والدوريات والمواقع اللبنانية والعربية، ولديه منشورات ومشاركات بحثية في العديد من مراكز الأبحاث العربية والأجنبية. وعمل كمستشار إعلامي وسياسي لدى أكثر من مؤسسة.
