الإمارات وامتحان التاريخ: هل كانت على حقٍّ في حربها مع الإسلام السياسي؟

 

منذ أن دوّى صوت الربيع العربي كزلزالٍ في جسد المنطقة، كان المشهد العربي بأسره يتمايل بين نشوة الحلم وفوضى الواقع. وبينما انخدع كثيرون ببريق الشعارات، كانت الإمارات — بصمتٍ محسوبٍ وقراءةٍ باردةٍ للخرائط — تمسك بالبوصلة في وجه العاصفة. لم ترفع راية دينية، ولم تستسلم للخطاب الشعبوي، بل رأت في موجات الإسلام السياسي خطرًا على الدولة الوطنية، قبل أن تتكشف الأيام عن صواب حدسها.

لم تكن الإمارات خصمًا للإسلام بقدر ما كانت خصمًا للتوظيف السياسي للدين. فمنذ نشأة الدولة، حرصت على بناء نموذج يقوم على التسامح والانفتاح الاقتصادي، لا على الشعارات الأيديولوجية. لكن هذا التوازن تعرّض لهزاتٍ عنيفة مع صعود الإخوان المسلمين في المنطقة. فبينما حاولت جماعة الإخوان اختراق المؤسسات تحت غطاء الدعوة، كانت الإمارات تراقب بدهاء. لم تكن الحرب مع الجماعة حربًا أمنية فحسب، بل مع مشروعٍ فكريٍّ يريد استبدال الدولة الحديثة بدولة الطاعة والولاء الحزبي.

لقد أدركت القيادة الإماراتية أن “الإخوان” لا يسعون إلى الإصلاح بقدر ما يسعون إلى السيطرة. فالمساجد والمنابر والجمعيات الخيرية تحوّلت إلى أدوات تعبئة، والسياسة إلى طريقٍ للتمكين لا للمشاركة. لهذا أغلقت الإمارات مبكرًا منافذ الاختراق، ووضعت حدًّا للفكر التنظيمي الذي يقدّس الجماعة فوق الوطن. ذلك الموقف الذي بدا آنذاك قاسيًا في نظر البعض، اتضح اليوم أنه كان استباقًا لانهياراتٍ عاصفةٍ شهدتها دول أخرى.

ففي مصر، حين وصلت الجماعة إلى السلطة، بدا واضحًا أن خطابها لم يعرف معنى الدولة. وفي ليبيا وسوريا واليمن، تحوّل “الحلم الإسلامي” إلى كوابيس دموية، وتناسل التطرف من رحم “التمكين” إلى أن خرجت القاعدة وداعش وأشباههما. وحدها الإمارات ظلّت ثابتةً على قاعدةٍ واحدة: أن الدين لله، والوطن للجميع.

وحين تمددت فوضى الربيع العربي في الإقليم، تحوّلت أبوظبي إلى ما يشبه “العقل البارد” في قلب الصحراء الساخنة. دعمت الاستقرار في مصر حين كان العالم يتفرج على احتراقها، وساندت الجيش الليبي في مواجهة الجماعات الإرهابية، وحاولت بناء شبكات توازن في اليمن والقرن الإفريقي، إدراكًا منها أن سقوط الدول الصغيرة يفتح شهية الفوضى الكبرى. لم تكن الإمارات تبحث عن نفوذٍ بقدر ما كانت تحمي منظومةً عربية مهددة بالانهيار.

لقد اختارت الإمارات طريق “العقلانية الصلبة”. ففي زمن الهتاف والدموع، تبنّت مقاربة الأمن والاستقرار والتنمية. لم تندفع خلف العواطف، ولم تترك قرارها مرتهنًا لأي محور. بل بنت سياستها على مبدأ أن “الدولة الوطنية” هي خط الدفاع الأول عن الهوية العربية. ولعلّ ما يميز التجربة الإماراتية هو ذلك التوازن النادر بين الحداثة والانضباط، بين الانفتاح على العالم والتمسك بجذر الهوية.

اليوم، وبعد أكثر من عقدٍ على العاصفة، يتساءل كثيرون بصدق: هل كانت الإمارات على حق؟ الجواب لا يحتاج إلى عاطفة، بل إلى مقارنةٍ واقعية. فالدول التي احتضنت الإسلام السياسي غرقت في الأزمات، بينما حافظت الإمارات على استقرارها وازدهارها ومكانتها الدولية. أثبتت أن التنمية لا تحتاج إلى شعارات دينية، بل إلى رؤية وإدارة. وأن الاعتدال ليس ضعفًا، بل استراتيجية قوة في زمن الفوضى.

ربما لم تكن الإمارات تبحث عن تصفيق، لكنها نالت ما هو أهم: احترام التاريخ. فالتجربة أثبتت أن من يقرأ الخطر قبل أن يشتعل، يصنع التاريخ لا يطارده. وهكذا، بينما ما زال بعض العرب يحصي خسائره بعد الربيع العربي، وقفت الإمارات نموذجًا لدولةٍ اختارت أن تكون “الواعية وسط الغافلين”.

في النهاية، ليس الدفاع عن الدولة حربًا على الدين، بل حماية لجوهره من التلاعب والاحتكار. ومن هنا، يمكن القول إن الإمارات لم تخض حربًا ضد الإسلاميين بقدر ما خاضت حربًا من أجل الإسلام نفسه — إسلامٍ بلا سياسة، ودولةٍ بلا وصاية، ومستقبلٍ بلا كوابيس.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.