خلف الخطوط الأمامية للانهيار الاقتصادي، تتمترس “جمعية مصارف لبنان” بوصفها واحدةً من أعتى الفرق الهجومية على الإصلاحات الاقتصادية الجذرية. يساعدها على ذلك امتلاكها لمخزون لا ينتهي من “قذائف” التعطيل، وخطّ إمداد خلفيّ مفتوحٍ على المنظومة السياسية والاقتصادية. وعند وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة، تتقدّم “الجمعية” للتفاوض بسوء نية، لضمان عرقلة الوصول إلى حلّ عادل أو فعّال، مما يعقّد الأزمة ويطيل أمدها.
تمسّكت جمعية المصارف بسلاح “نظامية الأزمة” منذ اليوم الأول للانهيار الاقتصادي، لعرقلة الحل القائم على “تراتبية المسؤوليات والخسائر”، الذي تبنّته خطط التعافي المدعومة من صندوق النقد الدولي. وقد تحجّجت المصارف بتعمّد مصرف لبنان إقراض الدولة أموال المودعين التي وظّفتها لديه.
التنكّر للأخطاء
ومع “إفلاس الدولة” (رغم التحفّظ الاقتصادي على هذا المصطلح)، وعجزها عن إرجاع الأموال، فقدت المصارف السيولة، وتحوّلت بدورها إلى “زومبي بنك”. إلا أن جمعية المصارف تجاهلت كلياً إهمالها لقواعد العمل المصرفي السليم، والامتثال لمتطلبات الملاءة، وتكوين احتياطيات عن الدين السيادي، وجريها وراء الربح السريع الذي أمّنته الفوائد الباهظة التي دفعها المصرف المركزي لقاء شفطه الدولارات.
وقد ظلّت المصارف، حتى عشية الانهيار، تمارس لعبة المقامرة هذه، رغم معرفتها بمخاطرها عليها وعلى المودعين. فأطلقت، قبل شهور قليلة من الانهيار، ما عُرف بـ”مصيدة الدولار”، لجذب دولارات جديدة من خلال عرض أسعار فائدة بنسبة 14% على مبالغ كبيرة مُجمّدة لمدة ثلاث سنوات، معتبرةً أنه أمر إيجابي كونه يُضيف مبالغ وازنة إلى الاحتياطيات، على الرغم من أنها باهظة الثمن.
حماية المصارف أولاً
قادت جمعية المصارف باكراً حملة رفض تحميل المصارف أي دولار من ودائعها المتبخّرة في مصرف لبنان. ولم يكن السبب “حماية المودعين”، كما ادّعت “الجمعية” في ردّها على إقرار الحكومة خطة الوزير سعادة الشامي في أيار 2022، بل عجزها عن إعادة الرسملة، ورفضها المطلق إدخال مساهمين جدد يستحوذون على جزء من قرار المصارف، إلى جانب رهانها على استمرار تذويب الودائع بالشراكة مع مصرف لبنان.
فخرجت “الجمعية” في بيان شهير، تبشّر المودعين بأن “الدولة ألغت ودائعكم بـ”شخطة قلم”، مضيفةً أن “هذا كلّ ما تمخّض عن عبقرية “الخبراء”، بالرغم من وجود خطط بديلة واضحة، لا سيما تلك التي اقترحتها جمعية مصارف لبنان، والتي قضت بإنشاء صندوق يستثمر بعض موجودات الدولة وحقوقها، ليُعيد إلى المودعين حقوقهم، وإن على المدى المتوسط والبعيد.
وتقوم الخطة على استعمال أصول الدولة حتى 20 مليار دولار، وإنشاء “شركة لبنان للاستثمار”LIC)) لإدارة أصول الدولة غير المستغلّة بشكل احترافي، بما في ذلك الأراضي والمباني والتراخيص وحقوق الاستخدام.
لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل وصلت إلى إبلاغ “الجمعية” صندوق النقد الدولي تحفّظها على بنود الاتفاق المبدئي الموقَّع على صعيد الموظفين (SLA)، معتبرة إيّاه حلاً محاسبياً لا اقتصادياً، ويتعارض مع القوانين والدستور، كما أن نتائجه ستكون كارثية على الاقتصاد والمودعين، وسيقضي على فكرة النهوض بلبنان من جديد وتحقيق النمو.
تذويب الودائع
نجح نهج المماطلة هذا في تذويب نصف الالتزامات عن المصارف، فانخفضت الودائع بنسبة 50%، من حدود 172 مليار دولار عشية الانهيار إلى نحو 90 ملياراً. وترافق ذلك مع إضافة مصرف لبنان، في منتصف شباط 2023، خلال ولاية الحاكم السابق رياض سلامة، دينَين على الدولة: الأول بقيمة 16.5 مليار دولار، عبارة عن فروقات سعر الصرف، والثاني بقيمة 35 مليار دولار تحت بند تعديل إعادة التقييم. وعلى الرغم من إزالة هذين البندين من الميزانية في فترة تولّي نوّاب الحاكم سدة المسؤولية، أعاد الحاكم الجديد كريم سعيد الدين الأول، في ما وُصف بأنه “هدية مجانية” للمصارف على حساب دافعي الضرائب.
الجمعية تطالب بالمزيد
الهدايا المجانية التي تلقتها المصارف، بفضل جمعيتها خلال السنوات الماضية، لم تكن كافية لها؛ فالتشخيص الإيجابي من وجهة نظرها لم يعد كافياً، بل المطلوب الانتقال سريعاً إلى التنفيذ وفق رؤيتها. وهذا ما عبّرت عنه المقالة الافتتاحية لتقريرها الشهري، على لسان أمينها العام، إذ تساءل: من سيتحمّل تكلفة الأزمة؟ كيف ستُطبّق المساءلة؟ وقد لفت الأمين العام الانتباه إلى قضية الودائع الخارجية لمصرف لبنان، البالغة 16.5 مليار دولار، والتي لم تُحل بعد، متسائلاً عمّا إذا كانت هذه الأموال ستُعامل كالتزام سيادي، وكيف ستُعطى الأولوية لسدادها.
كما عادت جمعية المصارف إلى المادة 113 من قانون النقد والتسليف، التي تُلزم الحكومة بإعادة تمويل مصرف لبنان في حال تضرّرت ميزانيته العمومية، مطالِبةً بتطبيقها، وذلك على الرغم من الجدل القانوني القائم حول هذه المادة، وكونها تتصل فقط بالعجز الناتج عن الأعمال القانونية لمصرف لبنان، لا عن التصرف بودائع المصارف.
التحدي الحقيقي برأي جمعية المصارف لم يعد يكمن في إدراك المشكلة، إذ برأيها، تتفق جميع الأطراف تقريباً الآن على خطورة الفشل النظامي في لبنان، بل في تحديد إطار عمل عادل وقابل للتنفيذ لتحديد المسؤوليات. وقد حذّرت من أنه بدون هذا الوضوح، ستظل حتى أفضل القوانين أو المخططات التقنية مصممةً دون جدوى. وان الإصلاح لا يتطلب دقة تشريعية فحسب، بل يتطلب أيضاً شجاعة سياسية تتمثل في رغبة جماعية من الحكومة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي في تحمل أعبائهم بدلاً من تحميلها على المودعين.
تفخيخ قانون تنظيم المصارف
ما تصفه جمعية المصارف بـ”الدقة التشريعية”، طبقته بقوة في قانون تنظيم المصارف الذي أقرّه البرلمان في 31 تموز الماضي، خلافاً لرغبة صندوق النقد الدولي ومطالبه لمساعدة لبنان من خلال “تفخيخه” بالعديد من البنود الإشكالية. فقد نجحت الجمعية في إدخال نفسها ضمن الهيئة التقريرية بشأن مصير المصارف، وذلك عبر “المؤسسة الوطنية لضمان الودائع”، التي ستكون ممثَّلة في “الغرفة الثانية” المسؤولة عن اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بوضع المصارف واستمراريتها. ومن المعروف أن مجلس إدارة هذه المؤسسة خاضع لسيطرة المصارف، التي تملك نصف الأسهم فيها. كما ستكون الجمعية ممثَّلة أيضاً في الغرفة الثانية بخبير تسميه الهيئات الاقتصادية التي تسيطر عليها. وقد مُنحت الجمعية كذلك حق الطعن بالقرارات المتخذة من “الهيئة المصرفية العليا”، وانتزعت من لجنة الرقابة على المصارف حق حصر التدقيق في ميزانيات المصارف، ما أتاح للهيئة المصرفية العليا صلاحية إعادة التدقيق بعد اللجنة.
صندوق النقد يطالب بتعديل إصلاح المصارف
كل هذه التعديلات على القانون اعتبرها صندوق النقد الدولي معرقِلة ولا تصبّ في خانة الإصلاح. لذلك، طالب الحكومة، في آخر زيارة لوفده إلى لبنان، بتعديلها. ويُعَدّ ذلك تكراراً للتجربة المريرة في إقرار قانون تعديل السرية المصرفية عام 2022، الذي أُقرّ منقوصاً، ثم أعيد تعديله في العام الحالي.
إلى جانب كل ذلك ترفض جمعية المصارف إقرار عقد العمل الجماعي في القطاع المصرفي الذي انتهى منذ 2020 دون تجديد، وسط مماطلة واضحة واشتراطها صدور قانون الفجوة المالية قبل التفاوض. وتواجه الوساطة لتجديد عقد العمل التي تقودها وزارة العمل عراقيل قانونية شكلية من الجمعية. ومع غموض مصير الهيكلة المرتقبة، يلوّح اتحاد النقابات بإضراب مفتوح دفاعاً عن حقوق الموظفين، وهو ما يعمق مشاكل المودعين مع القطاع المصرفي، وقد يحرمهم من إمكانية الاستفادة من التعميمين 158 و166.
حجة جمعية المصارف في الدفاع عن مصالح المودعين في الشكل، يقابلها التفاوض عن سوء نية على مختلف الملفات لحماية مصالح المصارف وإبعادها عن المحاسبة عن الأخطاء المرتكبة طوال السنوات التي سبقت وتخللت الانهيار.

نبيل الحلو
صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.
