لا يكاد اللبناني يُخرج رقبته من تحت “مقصلة” التعميم 151، سيّئ الذكر، الذي فرض اقتطاعاتٍ مهولةً على الودائع، حتى يعود ويقع تحت “سيف” خصومات شركات التأمين.
في سنوات ما قبل الانهيار “الملاح”، “فلت” مندوبو شركات التأمين بين الموظفين والأُجراء، وكل من يملك دخلاً ثابتاً وراتباً موطَّناً، وفي حقائبهم الجلدية عروضٌ مغرية. أكثر هذه العروض جذباً للمواطنين التوّاقين لتعويض نهاية خدمة مجز، أو لما يُسعفهم، مستقبلاً، في إدخال أبنائهم إلى الجامعات الخاصة ذات الأقساط الخيالية، كان برنامج “التأمين على الحياة” (LIFE INSURANCE). فهذا البرنامج لا يضمن تعويضاً كبيراً في حالة الوفاة فقط، بحيث تستطيع الأسر الاستمرار من بعده، بل يوفّر أيضاً تعويضاً مجزياً عند وصول المضمون إلى عمرٍ معيّن، غالباً فوق الستين. وهو بذلك يشبه صندوقاً ادخارياً تتراكم فيه الأموال مع كل الإضافات الناتجة عن التوظيفات، فينال المدّخر بعد عدد محدد من السنوات مبلغاً أكبر من الذي وضعه.
الاشتراك في البرامج الإدخارية؛ أمين مثالاً
كثيرون دخلوا في هذه البرامج نظراً لفقدان الأمان الوظيفي من جهة، وتدنّي تعويضات نهاية الخدمة والأمانات الوظيفية من جهة ثانية. إلا أنه في السنوات “العجاف” انقلب الوضع رأساً على عقب؛ فكل ما ادخروه في هذه البرامج، وما دفعوه سواء بالدولار أو بالليرة على سعر صرف 1500 ليرة، لم يعد يُساوِ شيئاً، إذ جرت “ليلرته” على أسعار صرف استنسابية تدنّت مع مرور السنوات، حتى أصبحت تعادل اليوم بين 20 و30 في المئة من القيمة الحقيقية.
أمين، وهو اسم مستعار لأب أدخر عبر أحد أعرق شركات التأمين المحلية، التابعة لمصرف من فئة “ألفا”، مبلغاً وازناً لضمان مستقبل أولاده. وعلى غرار آلاف الأباء والأمهات، “اعتقدت أنني أزرع بذرة تضمن لأبنائي تعليماً كريماً أو بداية حياة مستقرة”، يقول أمين بحسرة.
لكن المفاجأة كانت حين عرضت شركة التأمين حلّين أحلاهما مرّ، عندما طالبت بتصفية البرنامج:
- الحصول على 25 في المئة من مجمل المبلغ بالدولار النقدي، مع إقفال البرنامج.
- تحويل 35 في المئة من المبلغ إلى الحساب النقدي، شرط الاستمرار بالبرنامج والدفع بالدولار “الفريش”.
العودة إلى الانهيار
“ما يحصل مع عقود التأمين يشبه إلى حدّ بعيد ما حصل، وما يزال يحصل، في موضوع الودائع”، بحسب الباحثة في الجرائم المالية والاقتصادية محاسن مرسل. فقد انخفضت القيمة الفعلية للودائع بالعملة الأجنبية بنسبة تقارب 85%، فيما تعرض العديد من المصارف على مودعيها تصفية ودائعهم بالدولار على سعر صرف 15 ألف ليرة، بغضّ النظر عن حجم المبلغ.
وفي الحالتين، هناك نوع من إساءة الأمانة، تقول مرسل، لأن المنطق والقوانين، وكل الشرائع المحلية والدولية، تفرض استرداد هذه الأموال، سواء كانت برامج ادخارية مع شركات تأمين أو ودائع مصرفية، بالعملة التي أُبرم بها العقد أو وُضعت فيها أساساً.
وهكذا خضعت البرامج الادخارية لاقتطاعات (Haircuts) فرضتها شركات التأمين، ولاسيما منها التابعة لمصارف تجارية محلية، وانتقلنا بذلك من عقود بالتراضي تعبّر عن إرادة المتعاقدين، إلى نوع من عقود الإذعان، نتيجة الانهيار الذي أصاب العملة الوطنية والأزمة المصرفية التي لم تُعالَج على أسس تراعي طبيعة المشكلة.
المصارف تبرّر هذه التسويات في ما يخصّ التأمينات كما في موضوع القروض؛ فكما أن المقترضين بالدولار يسدّدون أقساطهم على سعر صرف 15 ألف ليرة، فإنها تُعيد الودائع والأموال المجمّعة في البرامج الادخارية على القيمة نفسها،او أكثر قليلاً.
الحد من الخسارة، ربح؟
غير أن هذا الإجراء “لا يستند إلى أي نص قانوني أو تشريعي يجيزه”، بحسب مرسل، بل يخضع لإرادة المصرف أو شركة التأمين التابعة له”. وتضيف مرسل أن “ما يحصل فعلاً هو أن المؤمنين والمودعين يذعنون لهذه الإجراءات، لأنهم باتوا يسيرون وفق مقولة: “الحدّ من الخسارة ربح”. فهم يفضلون الحفاظ على جزء بسيط من أموالهم بدل خسارتها بالكامل. وهذا المشهد يتكرّر كما حصل مع حملة الأسهم التفضيلية، حيث يحدّد كل مصرف بشكل استنسابي سياسته ونسب الاقتطاع، ويفرضها عملياً على المودعين، في ظل غياب قضاء فاعل أو قانون موحّد يعيد حقوقهم، التي تشكّل العقود التأمينية جزءاً منها.
رضى المؤمّن أولاً
يؤكد رئيس “لجنة الرقابة على هيئات الضمان”*، نديم حداد، أن أساس المشكلة في شركات التأمين يكمن في القطاع المصرفي والانهيار الاقتصادي. ويضيف حداد موضحاً: “بالشكل العام، يمكن القول إنّ الأزمة الاقتصادية والمصرفية انعكست مباشرة على قطاع التأمين. أما من الناحية القانونية، فإنّ عروض شركات التأمين بتسوية العقود الادخارية بنسب تتراوح بين 25% و35% من قيمتها الأصلية تُعدّ تعديلاً جوهرياً للعقد، ولا يمكن فرضها على المؤمنين إلا بموافقتهم الخطّية. فالعلاقة بين الطرفين أساسها عقد التأمين، غير أنّ الظروف الاقتصادية والنقدية الاستثنائية التي مرّ بها لبنان منذ عام 2019، مثل تعدّد أسعار الصرف وفقدان السيولة الدولارية، دفعت الشركات إلى اقتراح تسويات تهدف إلى تقليص الخسائر المشتركة. وهذه العروض ليست إلزامية، بل تمثّل محاولة تفاوضية بين الطرفين في ظل غياب حلّ تشريعي شامل، مع التأكيد أن أي شكوى تُقدم إلى اللجنة يتمّ متابعتها حتى الوصول إلى ما يضمن مصلحة المؤمنين”.
وإذا كان لا يحقّ للشركات التنصّل من التزاماتها التعاقدية، بأي شكل من الأشكال، من الناحية القانونية، فإنه “عملياً، تستند بعض الشركات إلى نظرية الظروف القاهرة الناتجة عن الانهيار الاقتصادي لتبرير إعادة التفاوض على العقود، معتبرة أنّ الأزمة النقدية جعلت التنفيذ مستحيلاً إلى حدٍّ كبير”، يقول حداد. لذلك، لجأت بعض الشركات إلى تسويات ودية تؤمن مصلحة الطرفين، مع التأكيد أنّ هذه التسويات لا تُفرض على المؤمن، بل تتمّ بموافقته الصريحة”.
كيف يتصرف المؤمّن إذا واجه مثل هذه الإجراءات؟
شكوى أمين من شركة التأمين، يصل مثلها المئات إلى لجنة مراقبة هيئات الضمان. وتقوم الأخيرة بدرس كل حالة على حدة للتأكد من مدى احترام الشركة لشروط العقد، وللتثبّت مما إذا كانت التسوية المقترحة عادلة وغير تعسفية. وتعمل اللجنة على تشجيع الحلول الودية العادلة بين الأطراف، لا سيما عندما يَظهر أن الشركة أخلّت بالتزاماتها أو مارست ضغوطاً على المؤمنين. وينصح رئيس اللجنة بالإنابة نديم حداد المُؤمن، باتخاذ مجموعة من التدابير فيما لو واجه إجراءات غير عادلة من قبل شركات التأمين، مثل:
- عدم التوقيع على أي تسوية قبل الاطلاع على كامل حقوقه التعاقدية ومراجعة المستندات.
- وتقديم شكوى إلى لجنة الرقابة في حال عدم التوصّل إلى اتفاق منصف.
ضيق الخيارات المتاحة
من الواضح للجميع ان الخيارات المطروحة أمام المؤمّن ضبقة جداً، ومنها:
- التحويل إلى برامج “فريش دولار” يضمن الحفاظ على قيمة الادخار المستقبلية، لكنه يتطلب القدرة على الدفع نقداً بالدولار.
- الاحتفاظ بالعقود القديمة من دون سحبها، بانتظار استقرار الوضع النقدي أو صدور تشريعات تنظم إعادة تقييم الالتزامات المالية.
- المطالبة بتسوية عادلة لضمان عدم خسارة الجزء الأكبر من المدخرات. مع العلم ان بعض الشركات أيضاً بدأت بإطلاق منتجات جديدة بالدولار النقدي مع نقل جزئي من العقود القديمة، في محاولة لاستعادة ثقة العملاء.
النتائج خطيرة
تداعيات ما يحصل خطيرة على أكثر من مستوى برأي حداد، وخصوصاً من الناحية الاقتصادية. ويضيف أن “تراجع حجم الأقساط الادخارية بالدولار أدّى إلى انكماش السيولة في السوق التأميني، وانخفاض القدرة الاستثمارية للشركات. بالإضافة إلى تآكل الثقة بهذا الجزء من القطاع المالي التأميني، إذ شعر المواطن أن عقود الادخار لم تكن آمنة مثلما وُعد بها وهو نتيجة طبيعية للانهيار المالي”.
استمرار تعليق قانون “إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها” الذي أقرّه المجلس النيابي في 31 تموز الماضي، كجزء من خطة التعافي المالي في لبنان، يعلّق كل الإصلاحات. فهذا القانون، البالغ الأهمية، يهدف إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز الاستقرار المالي، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي، ومعالجة أزمة الودائع وحماية صغار المودعين. مما يؤدي إلى إنصاف المؤمنين أيضاً وإصلاح أوضاع شركات التأمين.
لكن هذا القانون رُبط من جهة بقانون توزيع الخسائر (المسمّى “قانون الفجوة المالية”)، الذي يواجه تجاذبات سياسية قد تؤخر إقراره إلى ما بعد الانتخابات النيابية، إذا حصلت أصلاً. ومن جهة أخرى، يواجه القانون صعوبات في التطبيق كونه أُقرّ بشكل منقوص. وقد عمدت الحكومة أخيراً إلى إدخال العديد من التعديلات عليه، بناءً على توصية من صندوق النقد الدولي، وأحالته إلى البرلمان بمرسوم لتعديل القانون الأساسي. فهل يبصر النور قريباً ويكون المقدمة لحل مشكلة المودعين والمؤمنين؟ سؤال برسم القادم من الأيام.
*”لجنة الرقابة على هيئات الضمان” هي هيئة في وزارة الاقتصاد والتجارة، مسؤولة عن الإشراف والرقابة على شركات التأمين والوسطاء المرخصين في لبنان، بهدف ضمان امتثالهم للقوانين والأنظمة، وحماية حقوق المؤمن لهم من خلال مراقبة قدرتهم المالية والاحتياطيات وتوظيف الأموال. تعمل اللجنة على التأكد من قدرة هيئات الضمان على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المؤمن عليهم، وتراقب علاقاتها مع المؤمن لهم والوسطاء.

نبيل الحلو
صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.
