عن أزمة النظام الإيراني الوجودية… وما بعد خامنئي

حوار مع كريم سجادبور، زميل أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

جعل ترامب تغيير النظام هدفًا واضحًا للحملة العسكرية الحالية، لكنه في الوقت نفسه قال إن الولايات المتحدة تواجه تهديدات وشيكة من إيران. لماذا برأيك قررت الولايات المتحدة وإسرائيل إطلاق عملية «الغضب الملحمي» في هذا التوقيت؟

عندما ينظر المؤرخون إلى هذه اللحظة في المستقبل القريب، سيعتبرونها على الأرجح حرب اختيار لا حرب ضرورة. لم يكن هناك تهديد وشيك بأن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا أو أن تشن هجمات على الولايات المتحدة أو حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط. لكن الولايات المتحدة وإسرائيل رأتا فرصة سانحة لاستغلال ضعف أحد أخطر خصومهما.

فإيران لا تسيطر على مجالها الجوي منذ حرب حزيران/يونيو الماضي، ووكلاؤها الإقليميون جرى إنهاكهم إلى حد بعيد، كما أن النظام يعيش قلقًا وجوديًا حادًا نتيجة الانتفاضة الشعبية.

إلى ذلك، لدى ترامب مصلحة شخصية مباشرة. ففي كانون الثاني/يناير، وفي ما لا يقل عن تسع مناسبات، رسم خطوطًا حمراء صارمة، مصرًّا على أن الولايات المتحدة ستتدخل إذا أقدم النظام الإيراني على قتل المتظاهرين. وقد حرّض ترامب الناس صراحة على النزول إلى الشوارع، داعيًا إياهم إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، ومؤكدًا أن المساعدة «في الطريق». بالنسبة لترامب، بدا أن العامل المحفّز الأهم هو مصداقيته الشخصية أكثر من أي تهديد وشيك للأمن القومي الأميركي.

هناك تقارير عن ضربات إيرانية في أنحاء المنطقة ردًا على الهجمات. ما نوع الرد الذي تتوقعه من النظام؟ وما الذي لا يزال قادرًا على فعله؟

هذه لحظة وجودية لنظام طالما كان قاتلًا، لكنه لم يكن انتحاريًا يومًا. الأولوية المطلقة لهذا النظام هي البقاء في السلطة والنجاة ليوم آخر لمواصلة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وعليه، يواجه قرارًا مصيريًا: هل يطلق كل ما لديه ضد الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة — وهو مسار قد يستدعي ردًا كاسحًا يؤدي إلى انهيار النظام — أم يرد بشكل محسوب على أمل أن تتوقف العملية قريبًا وأن يتمكن من الخروج من تحت الركام؟

تاريخيًا، اختار النظام مسار ضبط النفس لأنه يسعى إلى البقاء. من المبكر الجزم بما إذا كانت طهران سترد بقوة حقيقية، أم أنها قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية — في الملف النووي، والصواريخ، والوكلاء — من أجل إنهاء العمليات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية. يدرك النظام أنه لا يملك قدرة عسكرية لمجاراة الولايات المتحدة، لكنه لا يحتاج إلى الانتصار؛ بل إلى البقاء. والسؤال هو: ما الذي يراه مفتاحًا لبقائه؟

كيف تتوقع أن تتطور الأمور بعد مقتل آية الله علي خامنئي؟

قد يؤدي مقتل خامنئي إلى تماسك النظام وقواه الأمنية دفاعًا عن بقائه، أو قد يشبه ضربة مدفع هائلة تثقب بدن السفينة، فتغرق ويهرب قادتها للنجاة بأنفسهم. مشكلة هذا النظام أنه من أكثر الأنظمة عزلة في العالم. إذ لا توجد خطة خروج حقيقية للمسؤولين الإيرانيين، ولا أماكن كثيرة يمكنهم اللجوء إليها في المنفى. كثيرون منهم يعتقدون أن خيارهم الوحيد هو القتل أو أن يُقتلوا.

الأرجح أنهم سيسرعون إلى الالتفاف حول قائد جديد، سواء أكان رجل دين أو قائدًا في الحرس الثوري، بدل السماح بانتقال سلطة أوسع. لكن رحيل شخص حكم لأربعة عقود بشكل مفاجئ يخلق فراغًا في السلطة قد يستغرق سنوات لملئه.

لمح ترامب ونتنياهو إلى أن هذه الهجمات قد تُضعف الجهاز الأمني الداخلي وتجعل من الأسهل على معارضي النظام الإطاحة به. هل هذا احتمال واقعي؟

عِلم النفس هنا أكثر فائدة من عِلم السياسة لفهم ما يجري. لقد تعرّض المجتمع الإيراني لصدمة عميقة خلال الأسابيع الستة الماضية بسبب حجم القتل. وعلى مدى الأسابيع الخمسة الأخيرة، كان الناس ينتظرون ليروا ما الذي سيفعله ترامب.

الآن، سيواصلون الانتظار لمعرفة مدة هذه العملية، وما إذا كانت ستفتح نافذة للانتفاض مجددًا. لكن قوات النظام مدججة بالسلاح، منظمة بدرجة عالية، ومستعدة للقتل للبقاء في السلطة. في المقابل، فإن معارضي النظام، رغم كثرتهم العددية، غير مسلحين إلى حد كبير ومفتقرون إلى التنظيم. كما أنهم، بحكم سعيهم للفصل بين الدين والدولة لا لدمجهما، لا يؤمنون بثقافة الاستشهاد الجماعي.

هناك تحديات أخرى. التاريخ يُظهر أن الثورات تحتاج إلى نوعين من القيادة: قيادة إلهامية وقيادة تنظيمية. كثير من الإيرانيين في الداخل والخارج التفوا حول القيادة الإلهامية لرضا بهلوي، نجل الشاه السابق، وإن لم يكن جميعهم. فالتيار الملكي يبقى مثيرًا للانقسام، وليس واضحًا مدى امتلاكه قيادة تنظيمية فعلية داخل إيران.

يبقى السؤال: هل ستعود الاحتجاجات للظهور؟ وهل ستتوسع؟ الكثير سيتوقف على شعور الإيرانيين: هل يعتقدون أن آلة القمع قد جُرّدت من أنيابها؟ إنهم يراقبون عن كثب.

هل يمكن أن تؤدي هذه الهجمات إلى التفاف وطني حول العَلم، ما يجعل إسقاط النظام أصعب؟

الهجمات الخارجية عادة ما تُضخّم الميول السياسية القائمة. فأنصار النظام سيجدون سببًا إضافيًا لمعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل وتعزيز دعمهم للنظام. أما المعارضون، فسيحمّلون النظام مسؤولية جلب هذا الدمار على الإيرانيين. لن نشهد تبدّلًا واسعًا في المعسكرات. بعد أن ينقشع الغبار، حتى لو نجا النظام، ستعود الإهانات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اليومية للحياة في إيران لتفرض نفسها مجددًا.

في مقالك الخريف الماضي في “فورين أفيرز”، رسمت سيناريوهات عدة للتغيير في إيران. كيف يؤثر هذا التدخل العسكري على تلك السيناريوهات؟

غالبًا ما تصب حالات انعدام الأمن في مصلحة القوى الأمنية. فعندما تنشأ فراغات في السلطة، يكون المنتصرون عادة الأقدر على تعبئة العنف، لا الكتّاب أو المثقفون أو نشطاء حقوق الإنسان.

نحو ثلاثة أرباع الانتقالات من أنظمة سلطوية تنتهي بنظام سلطوي آخر. وعندما تُستحث هذه الانتقالات بعنف داخلي أو خارجي، تنخفض احتمالات التحول الديمقراطي بشكل كبير. فالاحتمالات الإحصائية ضعيفة بأن تنتقل إيران إلى ديمقراطية علمانية تمثيلية مستقرة — رغم قناعتي بأن المجتمع الإيراني مهيأ لمثل هذا التغيير.

ما أسوأ السيناريوهات المحتملة؟ وما أفضل نتيجة ممكنة؟

أسوأ السيناريوهات هو اندلاع حرب إقليمية. ففي الشرق الأوسط نوعان من الفاعلين: من يعملون على البناء، ومن يعملون على التدمير. لقد ركّزت دول الخليج المحيطة بإيران خلال العقود الخمسة الماضية على التحول إلى مراكز مالية ونقل وتكنولوجيا متقدمة. أما إيران، فاستثمرت في التدمير وملء الفراغات واستغلال بؤس الدول الفاشلة.

التدمير أسهل من البناء. وهناك خطر أن تسعى إيران إلى استهداف منشآت النفط والبنية التحتية الحيوية لرفع أسعار الطاقة. فإسرائيل أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، لكن دول الخليج أكثر هشاشة.

داخليًا، قد يخرج النظام متماسكًا وأكثر قسوة — ربما شبيهًا بكوريا الشمالية — بعد أن قتل آلاف الإيرانيين. وهناك أيضًا احتمال انهيار الدولة أو اندلاع حرب أهلية، في ظل الاستقطاب الحاد والتوترات العرقية.

ومع ذلك، لا يزال هناك أمل بأن تحقق إيران إمكاناتها الهائلة. كما كتبت سابقًا، تمتلك إيران رأس المال البشري والموارد الطبيعية والتاريخ الذي يؤهلها لأن تكون دولة ضمن مجموعة العشرين. لكنها لعبت دورًا أقل بكثير من وزنها الحقيقي. في أعقاب هذه الهجمات، إذا تمكن الإيرانيون من التعاون والتلاقي، فقد يشهد البلد انتقالًا — في أفضل الأحوال — إلى ديمقراطية تمثيلية متسامحة، أو – في الحد الأدنى – إلى دولة مستقرة تُقدّم المصلحة الاقتصادية والوطنية على الأيديولوجيا، وتسمح للناس بعيش حياة طبيعية.

إنها لحظة محفوفة بالمخاطر ومربكة. صحيح أنّي أرى ضوءًا في نهاية النفق، لكن ليس واضحًا ما إذا كان النفق سينهار قبل بلوغ الضوء ذاك.

ترجمة بتصرف عن موقع مجلة “فورين أفيرز

نُشر في 28 شباط/فبراير

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.